حين رأيتها، أدركت أن البشرية ارتكبت خطأ فادحًا بافتراضها أن كل من يستطيع الكلام لديه شيء يستحق أن يقال. ولست أطالب بتقييد الحريات؛ فأنا أؤمن بحرية التعبير، لكنني أعتقد أن بعض الكلمات تحتاج إلى حجر صحي، وأن بعض الأفواه ينبغي أن تُرفق بها نشرة تحذيرية، على غرار النشرات المصاحبة للأدوية ذات الأعراض الجانبية الخطيرة، كالهلوسة أو اضطرابات المعدة أو فقدان الوعي.
أسمّيها «الحُرمة» عن قصد، وأستعير من الكلمة ما تحمله من حمولة ثقافية سلبية واستعمالات ساخرة، وألصقها بجبهة هذه الشخصية دون سواها، مع سبق الإصرار والترصد. قد تكون كلمة «الحُرمة» بريئة في أصلها، ولا تستحق معاملة قاسية كهذه المعاملة، لكن صاحبتنا تحتاج إلى اسم يحتمل اجتماع قدر كبير من السماجة في شخص واحد. ليست سيدة ولا امرأة، ولا تنتمي إلى جنس النساء اللاتي أعرفهن وأحبهن؛ إنها «الحُرمة» بوصفها شخصية مخصوصة تظن أن الله خلق لها لسانًا ليعوّضها عن نقص فادح في الدماغ.
«الحُرمة» في المجلس الأزرق كائن اجتماعي شديد الإزعاج، لديها رأي قاطع مستنير في كل شيء. والمجلس الأزرق ليس مكانًا بالضرورة؛ فقد يكون مجموعة في «واتساب»، أو مائدة عشاء، أو مناسبة عائلية، أو غرفة انتظار في عيادة طبية، أو قاعة اجتماعات مغلقة. إنها حُرمة تستطيع أن تحوّل أي تجمع بشري إلى كارثة سمعية، وأن تجعل العزلة خيارًا حضاريًا عظيمًا.
هذه «الحُرمة» تجعلني أسأل: كيف نجحت في العبور من سن الطفولة إلى سن الرشد دون أن يعترض أحد على أهليتها العقلية؟ هي حُرمة مكتملة الأعضاء، سليمة الحواس، لديها هاتف ذكي، وشهادة جامعية، وحسابات مصرفية، ووظيفة وعائلة، لكنها تتقيأ الكلام؛ في كلامها جثث فئران صغيرة وغازات نتنة. حُرمة مهذار على نحو يتجاوز الاحتياج البشري الطبيعي إلى التواصل، وأظن أن لسانها يعمل بنظام مستقل عن عقلها، وأن بين العضوين قطيعة كبرى لم تنجح الوساطات الطبية في ردمها. تقول كل ما يخطر وما لا يخطر على البال، وتتنقل كالريح العاصفة من طلاق امرأة لا تعرفها إلى حمل أخرى، ثم من أسعار العقارات إلى حذاء من «ماركة» عالمية، وبعدها تندب حظها، وتهجو جيلًا كاملًا وتصفه بقلة التربية والأخلاق، وهي تضع عطرًا رخيصًا، مستوحًى على الأغلب، وتلبس أقمشة «البوليستر»، وتعلك اللبان صباحًا ومساءً، وتسمّي زوجها: «اللي عندي»، وتردد كلمات من قبيل: «خطأ عليك! إن كان قلت كذا…»، و«لا، لا، ليس هكذا…»، ثم تسألك فجأة: «كم راتبك؟». وأنتِ معها تعيدين دائمًا النظر في جدوى العلاقات الإنسانية!
وهي غبية غباءً مشوبًا بعدوانية مخيفة وطموح عالٍ؛ تريد أن توسّع نطاق غبائها، وتُشركك فيه، فتقنعك باستثمار وقتك وطاقتك وأعصابك في مناقشة هواجسها السخيفة. تسألك عن أمر خاص، فإذا تهرّبتِ أعادت السؤال، وإن تجاهلتِ، ابتكرت صيغة أخرى، وإذا امتنعتِ عن الإجابة صراحةً، اتهمتك بالغرور، كأن الخصوصية إهانة شخصية لها، وكأن الأسرار لم تُخلق إلا لتتيح لها الاطلاع عليها. ولأن الغباء وحده لا يكفي لصناعة هذه الشخصية، فقد مُنحت قدرًا من الثقة والغرور جعلها تظن أن صراحتها شجاعة، ووقاحتها قوة، وفضولها ذكاء، فتُحوّل كل عيب إلى فضيلة، كما يُحوّل بعض التجار بضاعة كاسدة إلى عرض موسمي مغرٍ.
كما أنها كاذبة وكذّابة، وهذا جانب يستحق التأمل؛ لا تكذب لتنجو أو لتكسب، بل تكذب لأن الحقيقة مُرّة أمام واقعها، وفقيرة قياسًا إلى أحلامها. تزعم أنها اشترت فستانًا بآلاف الريالات، وأنها رفضت منصبًا، وأن أشخاصًا مرموقين، لا تذكر أسماءهم، يستشيرونها. وتُحوّل الحديث فجأة إلى سيرة ذاتية طويلة وهمية عنها، وتكتب في خانة المهارات أنها تتقن أي شيء وكل شيء بدرجة ممتازة.
ثم هناك «المهايط»، والهياط في اللغة: الشر والجلبة والضجيج وكثرة اللغط، ويُستعمل في العامية بمعنى الادعاء والتفاخر والتباهي. وهو عندها ليس سلوكًا عابرًا، وإنما سمة وجودية؛ تحدثك عن معارفها، ورحلاتها، وعلاقاتها، وأموالها، ومواقفها البطولية، ولا تهدف إلى إقناعك أو حملك على تصديقها بقدر ما تحاول أن تعيد ترتيب العالم لتكون السيدة الأولى فيه والشخصية الرئيسة.
وقد تقول لك إنها لا تهتم بالمظاهر، ثم تقضي بقية الجلسة في تعداد ما أنفقت مؤخرًا. تحتقر المتملقين، لكنها تستطيع أن تنبسط كسجادة فارسية حمراء أمام شخصية مهمة، ثم تطوي نفسها فور خروج تلك الشخصية، لتهين العاملة أو النادل الذي تأخر في إحضار كوب قهوتها. إنها متواضعة وصغيرة أمام الأقوياء، ومتجبرة وكبيرة أمام الضعفاء، وهذه، كما يبدو، نظريتها في الأخلاق.
ولدى «الحُرمة» موهبة خلّاقة في إفساد اللحظات الإنسانية، الجميلة والسيئة؛ فقد تسأل في العزاء عن سبب الوفاة، وتعلّق في الفرح على إطلالة العروس تعليقات سلبية، ثم لا تفرّق بين الدعابة والإهانة، ولا بين «الميانة» وانتهاك الحدود. وإن واجهتِها، وضعت يدها على صدرها وشهقت مستغربة: «أنا نيتي صافية»، ونيّتها هذه كنيّة الجزّار حين يقطع اللحم.
وأردأ صفاتها خفة دمها المزعومة، وأعترف أنني عجزت عن فهم هذه الظاهرة تحديدًا؛ كيف تعتقد أنها مضحكة؟ كيف لا تشعر بالبرد بعد تعليق ساخر؟ كيف لم تفسّر الصمت الجماعي بعد نكاتها؟ إنها تقول كلامًا محرجًا، وترمي تلميحات قذرة، ثم تضحك بصوت عالٍ، وتضرب بيدها وتصفّق، وتطلب اعترافًا بأن ما قالته كان مضحكًا، وتردد: «حلووووة؟ حلووووة، صح؟»، فيضطر البعض إلى الابتسام، وأخشى أن هذه المجاملات هي التي أدت إلى تفشّي كوارثها الاجتماعية واستمرارها.
ولدى «الحُرمة» حسنة واحدة؛ فهي لا تحتاج إلى أعداء، لأنها تصنعهم بكفاءة مذهلة، ثم تتساءل: لماذا يحسدها الناس؟ فكل من يبتعد عنها حاقد غيور، وكل من يرفضها متكبر معقّد. لديها تفسير جاهز لكل شيء، بشرط ألّا يتضمن التفسير احتمالًا ضئيلًا يتعلق بسلوكها الفظيع.
تنام «الحُرمة» كما ينام الأطفال الأبرياء، بعد أن لوّثت المجلس الأزرق بطحالب خضراء، وحوّلته إلى مستنقع آسن تطفو على سطحه أسرار الناس، وتتعفّن في قاعه كرامتهم. أما نحن، ضحاياها، فنعود إلى بيوتنا منهكين، نعيد صياغة جمل لم نستطع قولها، ونبتلع صراخًا لم نجرؤ على إطلاقه، ونندم على ابتسامات منحناها مجانًا، ثم نتساءل عن الحكمة من اختراع المجالس أصلًا، وندعو الله أن يمنحنا الصبر والحصانة والعافية من هذا الابتلاء.
** **
د. بدور بنت محمد الفصّام - أكاديمية في جامعة الملك سعود