الأمثال صنيعة الثقافة في تمظهرها المرتبط بالواقع المادي والاجتماعي الذي يسهم في تشكيل تصورات الإنسان وانطباعاته. ومن ثم تمثل الأمثال الشعبية مدونة أنثروبولوجية ضاربة في عمق البناء الاجتماعي، ترسم عبر دورها الشفهي نماذج ثقافية حاملة لمفاهيم اجتماعية متعددة.
وارتكازًا على المخيلة، تنقل الأمثال الأفراد إلى عوالم مليئة بالدلالات التي تسهم في بناء الإنسان وتتقاطع مع أدق تفاصيل حياته وتجاربه. وعند التفكير الأنثروبولوجي في المثل الشعبي «كل شاة معلقة بكراعها» تتحول زاوية النظر من شاة معلقة برجلها/عرقوبها وهي زاوية مادية إلى ترميز ثقافي وأخلاقي يتعلق ببناء الذات الواعية بتبعات أفعالها تعبيرًا عن الاستقلال التام في المسؤولية؛ وعليه يؤسس المثل لمبدأ المسؤولية الفردية؛ فالإنسان معلق بفعله وما يؤول إليه.
يُفعّل المثل آلية ثقافية حين يمارس عملية وساطة بين الذات والمرجعية الثقافية، وينبه الفرد إلى أن الانتماء للمجموعة لن يحميه من التبعة الشخصية لأفعاله، وفي الوقت ذاته يحمي الجماعة من أن تؤخذ بجريرة الفرد، فهو ترسيم للحدود الفردية داخل النظام الجمعي القائم؛ وبذلك يُسهم المثل بخلق ديمومة الأنا داخل المجموعة.
إن هذا المثل تطبيق لفكرة الشخصية التي تحاول الثقافة نمذجتها بتحويل الأمثال المتداولة إلى معان يصاغ بها وعيه؛ ليتحمَّل المسؤولية التي تتداخل فيها المادية بالأخلاقية، وتعمل من خلال التفاعل بينهما على تنشئة الشخصية؛ فالإنسان يعيش داخل شبكة من الرموز التي تشكِّل رؤيته، وتحدد الطريقة التي يفهم بها نفسه والآخرين، ولذا تتكون الشخصية تدريجياً، وهو تشكّل يجعلها نموذجًا دالاً على شكل الثقافة التي يجب أن تكون عليها الشخصية في زمن وجودها. ومن هنا فإن الشخصية النموذج تعد مرجعية تحيل على معنى ممتلئ وثابت حددته الثقافة.
ضمن هذا البناء الثقافي يظهر المثل الشعبي كممارسة تسعى الثقافة من خلاله إلى استعادة التفاصيل الحيَّة للحياة اليومية، وتشكيل التصورات الذهنية المؤسِسة للجماعة، ليعمل بذلك كآلية ضبط لنموذج الشخصية المرجعية الواعية بمتطلبات محيطها، وهي شخصية تدرك أن الزمن يتطلب من الفرد تحمّل تبعات اختياراته دون إلقاء اللوم على أحد، وعندما يرتبط بها الأفراد؛ فإنها تشكّل علامة فارقة في سيرورتهم، إذ تنقلهم من المعايشة الهامشية إلى عوالم غنية بالمعاني التي تسهم في بناء الذات الإنسانية.
وهنا تتحول الثقافة في المشهد البيئي إلى نسق مفهومي يؤسس لدلالة أخلاقية حيَّة؛ إذ إن تكرار المثل عبر الأجيال يحوله إلى نموذج دال يلخص شكل الثقافة، فهو يشجع الفرد منذ الصغر على أن القيمة الحقيقية للذات لا تكتمل إلا بتحمّل المسؤولية الفردية تجاه المجتمع.
وبذلك تظل البنية الرمزية للمثل حيَّة، إذ تتجاوز مساحتها البسيطة لتتوسع نحو فضاءات المواطنة والقانون والمسؤولية الأخلاقية الرقمية، مما يؤكد أن الرموز الثقافية قادرة على إعادة تشكيل صورة الإنسان عن نفسه ومجتمعه. إن هذا التناقل الجيلي يحافظ على تماسك الذات، مانحًا إياها استقرارًا يوازن بين ثبات القيمة الإنسانية، ومرونة التفاعل مع الفضاءات المتعددة.
وهكذا يتجلَّى المثل كقيمة أخلاقية تنشِئ الذات على تحمل تبعات اختياراتها، لكنها في الوقت ذاته لا تحمّل الفرد وحدة المسؤولية المطلقة، إذ لا يتساوى الأفراد في الفرص والممكنات التي تتيح لهم الفعل القائم بذاته، وبهذا تستمر الأمثال في تشكيل وعي الإنسان، في الحدود التي تسمح بها دلالاتها الثقافية، وتتناسب مع بنية المجتمع وتكوينه الثقافي، وصورته المثالية التي تسعى الثقافة إلى عدم انفصاله عن جذوره الثقافية.
** **
- د.إدريس بن إبراهيم البريدي