حاورها - وائل العتيبي:
نبيلة حسني سعيد محجوب، روائية سعودية من مكة المكرمة، جمعت بين الإبداع الأدبي والعمل الثقافي المؤسسي، فكانت فاعلة في المشهد الثقافي بقدر حضورها في الكتابة. وهي عضو مجلس إدارة الجمعية الأولى بجدة، وعضو الجمعية العمومية في النادي الأدبي الثقافي بجدة، ومؤسِّسة ورئيسة لجنة الصالون الثقافي بأدبي جدة، ومديرة صالون الكلمة الثقافي، إلى جانب عضويتها في اتحاد كتّاب مصر ونادي القصة بالقاهرة، ومشاركتها في تأسيس عدد من المبادرات الثقافية.
صدر لها عدد من الروايات، من أبرزها: «بين مطارين»، «محور الشر»، «هروب الزعيم»، و«ممرات الريح»، إضافة إلى كتبها ضمن سلسلة “وجهة نظر” مثل «المرأة» و«شباب وإرهاب». وفي رؤيتها للإبداع، تختصر فلسفتها بقولها: «الإبداع وجعٌ يلد دهشة، ككل أمٍّ تنسى المخاض لحظة أن ترى عينيه»، مؤكدة أن الكتابة مسؤولية، وأن الأدب والفكر ركيزتان في تشكيل الوعي وصياغة الإنسان.
الأسرة والكتابة… بين المشرط والقلم
عُرفتِ بأنكِ ابنة مكة التي تعلمت في أول مدرسة للبنات، وأمٌّ لدكتورة، وأختٌ لرئيس تحرير. كيف تصنع هذه الثلاثية – الأكاديميا والإعلام والأدب – رؤيتك للعالم؟ وهل ترث الكتابة شيئًا من دقة المشرط أو من حدّة العنوان الصحفي، أم أن لكل ميدان مخاضه الذي لا يشبه الآخر؟
أشكرك على عمق السؤال وحسّك الصحفي الذي سلّط الضوء على جوانب غير معروفة من حياتي الأسرية. الأسرة هي الحاضن الأول للإنسان مهما كان تخصصه، وهي الداعم الأساسي لموهبته وعمله أو مهنته. لقد منحني الله نعمة الدعم من أسرتي، فمسيرتي كانت مدعومة بمن حولي، حتى بناتي.
والدي لم يكن مجرد أب يحظى بإعجاب ابنته، بل كان عظيمًا في مجازفته بعمله من أجل تعليم ابنته. حين لم تكن هناك مدارس نظامية للبنات في الطائف، نقلني إلى مكة حيث توجد مدارس أهلية، فالتحقت بمدرسة الفتاة الأهلية. وكانت أمي تنتظر عودتنا من المدرسة بلهفة لتطمئن على أدائنا ودروسنا.
أما أخي محمد، رئيس تحرير صحيفة المدينة، فهو الداعم الأكبر لاستمراريتي في الكتابة. وقد جعلتنا ظروف الحياة ورحيل والدينا المبكر نسدّ الفراغ الذي تركه ذلك الرحيل، وكان أخي – رغم أنه أصغر مني سنًّا – يتولى دور الأب بعد وفاة والدنا وأخينا عبيد، رحمهما الله.
ابنتي ضحى أبو السعود متميزة بعلمها وأخلاقها، وقد حصلت على ثلاث درجات: ماجستير ودكتوراه، بامتياز مع مرتبة الشرف، من بريطانيا. وهي أيضًا كاتبة وروائية، ولديها رواية باللغة الإنجليزية تحت الطبع.
أما ابنتي الكبرى دينا فهي سيدة أعمال وتحمل درجة ماجستير، ورشا الوسطى حصلت على درجتي ماجستير وتشغل منصبًا مهمًّا في القطاع المصرفي.
لا أعتقد أن الكتابة تُورث، فلكل منا رؤيته وفكره الخاص، لكن التأثير والدعم والحب والمساندة في لحظات الحاجة هي ما يصنع الفارق.
الصالونات الثقافية… من النخبوية إلى الجاذبية
أسستِ صالون المها الأدبي وصالون الكلمة الثقافي، وعشتِ زمن المنتديات قبل أن يخفت وهجها. ما الذي تمنحه الصالونات للثقافة ولا تمنحه المنصات الرقمية؟
للصالونات الأدبية والثقافية أهمية كبرى، خاصة للنساء والمثقفات والأديبات، لا سيما في فترة عزل المرأة عن الفضاء العام، وقصر حضور الفعاليات على المثقفين فقط. وحتى عندما شاركت المرأة، كانت مشاركتها عبر الدائرة التلفزيونية.
كانت الكاتبات والأديبات مجرد أسماء في الصحف والمطبوعات، لذا كان صالون المها الأدبي عام 1999 نشاطًا مهمًّا جمع الأديبات والمثقفات، واستضاف سيدات من خارج المملكة مثل الدكتورة سلمى الجيوسي. وكانت السيدة مها أحمد فتيحي صاحبة الفكرة، ودعتني لتأسيس الصالون الأدبي في منزلها، وبدوري دعوت أبرز الأديبات والكاتبات وبعض الأكاديميات.
الصالونات الأدبية أكثر حميمية وتأثيرًا في المجتمع من الندوات والمنصات الرقمية، التي تكرّس العزلة ولا تحقق روح التفاعل والاجتماع التي توفرها الصالونات الثقافية.
الشباب والصالونات
لماذا يعزف الشباب عن مقاعد الصالونات رغم تعطشهم للحوار؟
عزوف الشباب عن الصالونات الأدبية أمر طبيعي نظرًا للتغيرات الكبيرة في المجتمع، ومنها تعدد وسائل التواصل الاجتماعي وكثرة المقاهي التي يفضلون الاجتماع فيها بحرية أكبر.
وزارة الثقافة والإعلام حوّلت المقاهي إلى منصات أدبية تحت مظلة “الشريك الأدبي”، لكن المقاهي لم تنجح في استقطاب الشباب. وربما لأن الزمن زمن الصورة؛ فهم يشاهدون ما يشاؤون عبر أجهزتهم، مما يكرّس العزلة.
حتى الفعاليات الثقافية عن بُعد لا ترقى إلى مستوى الفعاليات الحضورية، التي يخرج فيها الإنسان من داره ليلتقي بالآخرين ويتفاعل معهم.
لأجيال… المسافة بين جيلين
أنتِ من جيل قاتل ليتعلم في مكة بلا مدارس للبنات، وتكتبين اليوم لجيل وُلد وفي يده العالم. كيف تصفين الفجوة بين الجيلين في فهم الثقافة والإبداع؟ هل ترين الشباب «فاقدًا للبوصلة» كما يُقال، أم أنهم يصنعون بوصلتهم الخاصة ولا نحسن قراءتها؟
لم أقاتل لأتعلم، بل قاتلت لأكتب باسمي وليس تحت اسم مستعار، ولأثبت أنني فتاة جيدة لا أفسد بنات العائلة، عندما كانت النظرة للفتاة المتعلمة مليئة بالشك. كانت الثقافة السائدة تحذر من تعليم البنات القراءة والكتابة، لكنني تجاوزت ذلك.
أكتب منذ أكثر من ثلاثين عامًا ولا أستهدف فئة عمرية أو جنسية، بل أكتب استجابة لشغف الكتابة، وأجد دائمًا مقابلًا حين يخبرني أحدهم أنني عبرت عن أفكارهم ومشاكلهم.
الفجوة بين الأجيال موجودة، لكنها اتسعت في عصرنا بسبب التطورات السريعة في التقنية. أصبح جيلي يُصنف أميًّا في عصر التقنية الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي التي يتقنها حتى الأطفال، بينما أجد نفسي لا أفهم كثيرًا من تفاصيلها وأستعين ببناتي وأحفادي لتجاوز بعض عقباتها.
الشباب لديهم وسائل مختلفة للتعلم والتثقيف، ولا أظنهم فاقدين للبوصلة، بل وجهاتهم مختلفة ويحددون اتجاهاتهم عن دراية.
الأدب السعودي… من المحلي إلى البوكر
دافعتِ عن الأدب السعودي مستشهدةً بجوائز البوكر وانتشاره. بعد هذا الاعتراف العربي والعالمي، ما التحدي الأكبر الذي يواجه الرواية السعودية الآن؟ هل هو سؤال الهوية أم سؤال القارئ؟ وكيف ينجو الكاتب من فخ الكتابة للجائزة بدل الكتابة للحياة؟
الحمد لله، الرواية السعودية الآن لها صدى عربي وعالمي، وفي معارض الكتب تبهرني كمية الإنتاج الروائي السعودي لشباب وشابات خاضوا تجربة كتابة الرواية. أما أنا فقد أخذ مني التفكير في كتابة الرواية سنوات طويلة خوفًا من المطبعة، وما زلت أتردد قبل إصدار أي كتاب.
التحدي الأكبر الآن هو الموهبة الحقيقية التي تجد الرعاية والدعم من هيئة الأدب ومعتزلات الكتابة. كثير من الكتّاب يكتبون بمعايير عالية ليحصدوا الجوائز، لأنها تسهّل نشر أعمالهم، وهذا أسلوب منطقي، لكن على الكاتب أن يجوّد أعماله بقدر إمكانه، وعلى لجان الجوائز أن تختار الأعمال بناءً على معايير أسلوبية وجمالية حقيقية.
أحيانًا أقرأ رواية فائزة ولا أستطيع الاستمرار في قراءتها، رغم حرصي على اقتناء كل الروايات الفائزة، ونادرًا ما أجد رواية تستدرجني لإكمالها فأتركها حتى قبل منتصفها.
المرأة… بين الصورة والجوهر
في كتابك «المرأة» وفي زاويتك «وجهة نظر»، رفضتِ القوالب الجاهزة. كيف تقرئين صورة المرأة السعودية اليوم بعد كل هذه التحولات؟ هل تحررت من النمط أم استبدلت به نمطًا جديدًا أكثر بريقًا وأقل عمقًا؟ وأين تقف الكاتبة بين تمجيد الواقع ونقده؟
المرأة السعودية قبل انطلاقها في الحياة الثقافية كانت توازن بين رغباتها وقيم مجتمعها. رفض القوالب الجاهزة وتنميط المجتمع ضرورة لكل امرأة ورجل واعٍ، لذلك كان الكتاب والكاتبات غير المؤدلجين يقاومون فكرة القوالب الجاهزة، لكن القوى الاجتماعية حوّلت المرأة إلى هامش وظل باهت. كانت المرأة مجرد اسم في بطاقة الهوية بدون صورة، وقد دافعت عن حقها في هوية تحمل صورتها وتحقق مواطنتها الكاملة، وهذا تحقق بفضل الله ورؤية 2030.
المرأة السعودية اليوم أثبتت جدارتها بما تحقق لها في عهد خادم الحرمين الشريفين وولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وهي ليست بحاجة إلى البريق، بل تصنعه بعلمها وأخلاقها وكرامتها.
الكاتبة تقف بين تمجيد الواقع ونقده؛ فالكاتب في العموم ناقد لمجتمعه ومهموم بتطويره.
بهذا الوعي المتراكم، تمضي نبيلة محجوب في الكتابة بوصفها فعل مسؤولية لا ترفًا، وبوصلة ثقافية لا تساوم على العمق. تكتب لتفهم العالم وتعيد صياغته، مؤمنةً أن الإبداع-مهما كان وجعه- هو الطريق الأصدق إلى الدهشة.