سؤال لا يُطلب جوابه
في محراب الكتاب، وقف الأستاذ محمد العبدالوهاب متأملًا، مطلقًا سؤالًا لا يُستفهم به بقدر ما يُستنهض: هل يحتاج الكتاب إلى يومٍ عالمي للاحتفاء به؟ أم أنه العالم الذي نلوذ به لنكتسب الفكر والمعرفة؟
ليس السؤال عن مناسبة عابرة، بل عن مكانةٍ راسخة؛ عن موقع الكتاب في وعينا، في زمنٍ تتزاحم فيه الوسائط، وتتنازع فيه السرعة مع العمق.
القراءة بوصفها مقاومة
لا نقرأ المقال بوصفه احتفاءً بالكتاب فحسب، بل دفاعًا رصينًا عن إنسانية القراءة ذاتها؛ تلك التي لا تُختزل في نقل المعلومة، بل تتجلى في تشكّل الوعي، ونضج التجربة، وفي ذلك الخيط الخفي الذي يصل روح القارئ بروح الكاتب عبر زمنٍ لا تعيقه المسافات.
لقد أصاب الكاتب حين جعل من القراءة فعل مقاومة؛ مقاومةً صامتةً لا تُرفع فيها الشعارات، بل تُمارَس في عمق التجربة. فالقراءة البطيئة ليست عجزًا عن مجاراة العصر، بل اختيار واعٍ للغوص بدل الطفو، وللتأمل بدل التلقي السريع. إنها انحياز إلى المعنى في زمن الاستهلاك، وإلى الكيف في وجه الكم.
بين التقنية والتجربة الإنسانية
لا يعادي المقال التقنية بقدر ما يعيدها إلى موضعها الطبيعي: أداة فعّالة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التجربة الإنسانية التي يتفرد بها الكتاب.
فالذكاء الاصطناعي -مهما بلغ- يظل ناقلًا بارعًا، لا خالقًا للمعاناة التي تُنضج الفكرة، ولا شاهدًا على العرق الذي يسقي النص ليحيا.
وهنا تتجلى المفارقة الأعمق:
المعرفة ليست ما نصل إليه، بل ما يتشكل فينا.
الآن… أم الدائم؟
يرسم المقال ثنائية دقيقة بين “الآن” و”الدائم”:
فالتقنية تمنحنا ما نحتاج أن نعرفه الآن، أما الكتاب فيمنحنا ما نحتاج أن نكونه دائمًا.
وهذا ليس تفريقًا بين وسيلتين، بل تعريف لوظيفة الكتاب بوصفه أداة تشكيل، لا مجرد وعاء معلومات.
القراءة التي تُذاق
تشبيه الكتاب برشفة قهوة عتيقة لم يكن صورة عابرة، بل مفتاحًا لفهم فلسفة كاملة:
قراءة تُذاق، لا تُبتلع؛ تُعاش، لا تُستعجل.
قراءة تعيد للإنسان صلته بذاته، في عالمٍ يسرق هذه الصلة على عجل.
الكتاب… كائن حي
ومع ذلك، تكتمل الصورة حين ندرك أن الكتاب، رغم ثباته، لا يحيا إلا بالقارئ.
فهو ليس نصًا صامتًا، بل كائن يُبعث في كل قراءة، ويُعاد خلقه في كل ذهن.
ومن هنا، فإن خلوده لا يكمن في ثباته وحده، بل في قابليته الدائمة لأن يُقرأ بعيون جديدة، وفي أزمنة متجددة.
خاتمة: ما الذي نحتفي به حقًا؟
لا يحتاج السؤال إلى إجابة حاسمة، لأن قيمته في إثارته.
فالكتاب لا يحتاج إلى يومٍ عالمي بقدر ما يحتاج إلى قارئ يعيد اكتشافه كل يوم.
هكذا يبقى الكتاب، لا كجبلٍ صامت فحسب، بل كمرآةٍ عميقة؛ كلما اقتربنا منها رأينا أنفسنا أكثر وضوحًا… وربما أكثر مسؤولية.
لأن القراءة، في جوهرها، ليست ترفًا ثقافيًا، بل فعل بقاءٍ للإنسان في زمنٍ يكاد ينسى فيه معنى أن يكون إنسانًا.
** **
- حصة بنت عبد العزيز