تُعد قصة «نهاية» للكاتب السعودي عقيل الفهيدي نصًا أدبيًا يلعب على ثنائية البساطة في الشكل، والعمق في المعنى، يتجاوز مجرد السرد للحادث المأساوي المعتاد في الحياة اليومية إلى السؤال الوجودي الماثل في سؤال الحياة نفسها من جهة أولية وسؤال الموت من جهة نهائية، تلك الرحلة الوجودية المكثفة التي تستكشف التحولات التي يمر بها الإنسان في لحظاته الأخيرة. تقدم القصة رؤية فريدة لما يمكن تسميته بـ «الوجود المقلوب» حين تنقلب المفاهيم التقليدية للزمان والمكان والذات والحياة رأسًا على عقب، لتواجه الشخصية حقيقة وجودها المجردة بعيدًا عن قيود الواقع المادي.
وحينما تبدأ القصة من النهاية بوصفها عتبة نصية صارخة تضعنا مباشرة أمام حتمية الموت والفناء. الاختيار لهذا العنوان توظيف درامي ودلالي مكثف يخدم فكرة الوجود المقلوب منذ اللحظة الأولى.
يختار الكاتب الانطلاق من ذروة التأزم، من لحظة ما بعد الحادث المدمر مباشرة، هذا البناء السردي المقلوب، يخلق مفارقة صادمة يفتح أفق التوقع والتأويل على فضاء واسع، لأن تقنية الانطلاق من النهاية، أو ما يُعرف بـ «البدء من الأزمة»، تعكس حركة عكسية في ترتيب الأحداث، حيث يعود السرد إلى ما قبل النهاية من خلال الاسترجاع السردي، وهذا الترتيب يخدم الفكرة الوجودية للقصة، فالشاب في القصة حين يستيقظ يجد عالمه مقلوبًا، وهو ما يتوافق تمامًا مع مفهوم الوجود المقلوب الذي يتجلى في كل تفاصيل تجربته الأخيرة. العنوان نفسه يصبح وصفًا دقيقًا للبناء الحكائي الذي يبدأ من نهاية الحدث الواقعي، أي اللحظات الأخيرة بعد حادث السيارة المروع.
ويركز السرد بشدة على البعد الجسدي للشاب في بداية القصة، ناقلاً بشاعة الحادث والألم الذي يسحق كل شبر في جسده، فهو يفقد الإحساس بإحدى ساقيه بينما تتجاوب الأخرى مع وخزات الألم، وتتلاشى حواسه تدريجيًا، وينزف دمه مشكلاً مسارات متعرجة، وتتعالى أنفاسه المتهدجة، هذا الوصف المؤلم للجسد المحطم يمثل نقطة الانطلاق نحو الوجود الكلي، حيث يصبح الجسد مجرد وعاء للألم، ثم يتلاشى إحساسه به تدريجيًا، ومع تقدم السرد، تتحول الذات من حالة المقاومة الجسدية والتشبث بالحياة إلى حالة من التجرد الوجودي المطلق، إذ أنه ما أن تتلاشى الصدمة الأولى والارتباك، تظهر غريزة التشبث بالحياة، فهو يحاول تحريك ساقيه وسحب جسده بصعوبة، لكن هذه المقاومة تتضاءل لتحل محلها حالة من الاستسلام والرضا، وهنا يدرك أن حياته السابقة بكل بهجتها كانت مجرد «حدث تافه عادي، بل إنه ممل ومقرف جدًا».
هذا الإدراك يمثل انقلابًا جذريًا في قيمة الحياة المادية، حيث تصبح تفاهة الوجود السابق واضحة في مواجهة حتمية الموت، وهذه الذات المتجردة، التي تتخلى عن الجسد بكل هدوء ودون مقاومة، هي جوهر الحياة في مواجهة مع الموت الذي تقدمه القصة.
المكان نفسه يتحول إلى عنصر حيوي يحمل دلالات ومعاني عميقة تعكس الحالة الوجودية لذلك الشاب. يبدأ السرد بوصف دقيق للمكان المادي للحادث: «رائحة الفوضى والدخان والتراب... بقايا سيارة تفرقت أجزاء كثيرة منها... مسارات الدم المتعرجة وغيرها. هذا الوصف البشع والمأساوي للمكان الأرضي السفلي يجعل المتلقي في حالة غمر مادي خالص، لكنه سرعان ما ينقلب ليتحول إلى اللامكان، فمع ضعف الحواس، وتدهور الإحساس بالجسد، يذوب المكان الملموس لصالح ذلك المطلق، ويصور السدر هذا العبور الدرامي بأن الشاب أصبح «في اللامكان»، و«في الفضاء النهائي»، أو في «الخلاء الشاسع».
هذا التلاشي للمكان يوازي نقطة التجرد للشخص ورغبته العارمة في التخلي عن الجسد. إن المكان لم يكن متعاطفًا مع البطل، بل تعامل معه بحياد وقسوة، مما خلق إحساسًا عميقًا بالوحدة والضياع والاغتراب، وكأن الكون قد لفظه.
وتتجلى فكرة الوجود المقلوب هنا في التضاد بين الأرضي السفلي: (الألم، حطام السيارة، الجسد المعلق بالأرض)، والمكان العلوي السماوي: (السماء الصافية، منازل القمر الشاغرة، النجوم). تلك النجوم، التي تتجمع لترقبه بصمت وحزن، والتي تشكل وجه أمه، فتصبح الملاذ الأخير والرمز الأولي للسكينة والتحرر من ألم الأرضي، وهذا الانقلاب من الأسفل إلى الأعلى، من المادي إلى الروحي، هو تجسيد مجازي لكل ثنائيات العالم الكبرى: الروحانية المتعلقة بالعلوي والمادية المتعقلة بكل تشكلات الإنسان على هذه الأرض.
ثم يأتي الزمن ليلعب دورًا محوريًا ومعقدًا في القصة بوصفه عنصراً درامياً يعكس الحالة التمثيلية عند الاقتراب من الموت. يبدأ السرد بتحديد زمني دقيق: «الساعة الثامنة ودقيقتان»، لكنه يتبعها بكلمة «بالمقلوب»، معلنًا بذلك تحطم الزمن الفيزيائي المعتاد وسقوط قوانينه منذ اللحظة الأولى، ومع توالي الأحداث المأساوية، يعيش الشاب حالة من الانفصال عن الزمن الواقعي، فيصبح «خارج اهتمامات الزمن»، وينتقل إلى زمن نفسي ووجودي يوصف بأنه «الفضاء النهائي»، حيث تندمج الأزمنة كلها في ملتقى واحد، ويشعر بأنه «أصبح في المبتدأ، والوسط، والمنتهى».
وهذا الانتقال من الزمن الفيزيائي المحدود إلى الزمن المطلق هو أساس الوجود المقلوب حين يتلاعب السرد بحركة الزمن السردي، متخليًا عن الحركة الزمنية المتسلسلة، فبدلاً من ذلك، يبدأ القصة من ذروة الأزمة (ما بعد وقوع الحادث مباشرة)، متجاهلاً الزمن المادي الذي سبق وقوع الحادث، كما يستخدم الكاتب الحركة العكسية:(الاسترجاع) لكسر خط الزمن الحاضر والعودة به إلى الوراء، حيث يستعيد الشاب في خياله ذكرى طفولته القديمة وولعه بالنجوم وغضب أمه منه لاعتقادها أن عدّ النجوم «سوء فأل».
هذه العودة بالزمن تربط ماضي الشخصية بلحظاته الأخيرة، وتعمق من مأساوية الموقف، وتؤكد على أن الزمن لم يعد خطيًا أو متسلسلاً، كما يتحكم السرد في إيقاع الزمن ببراعة لتجنب الرتابة وخلق تأثير درامي ونفسي عميق. فهو يوقف تقدم زمن الأحداث تمامًا ليتفرغ لـ «الوصف»، حيث يصف الراوي السماء الصافية، منازل القمر الشاغرة، برودة النسمة، ومسارات الدم. هذا التوقف الزمني القصير يتناسب طرديًا مع بطء أنفاس الشخصية وتلاشي الحواس، ويسهم في تهيئة المتلقين لاستقبال لحظة النهاية الفاصلة، حتى تنتهي القصة بتوقف الزمن الواقعي والسردي معًا في مشهد سكوني ختامي:» ابتسم. ارتخت يداه. وعمّ الصمت المكان» مما يجعل التوقف الكلي يعلن عن انقطاع حبل الزمن الدنيوي، وتوقف الحركة الزمنية المتمثلة بحساب الساعة «الثامنة ودقيقتين» بشكل كلي.
يختار الكاتب الراوي العليم الذي يفضل وضعية عدم المشاركة في الأحداث، وكان مجرد ناقل خارجي للأحداث، راوٍ عليم يعتمد كليًا على «الضمير الغائب»، ليستطيع الغوص في أعماق ذكريات الشاب وصراعاته الداخلية دون أن يترك الشخصية تتحدث عن نفسها، وهو ما يتناسب مع حالة النزيف وفقدان الوعي التدريجي والميتة التي تمنع من الحوار الخارجي، لتكون معرفة الراوي مطلقة كذلك لكون الوجود السردي كان مطلقاً في أساسه، فهو يحيط بكل التفاصيل التي تجهلها الشخصية بسبب حالة الصدمة والنزيف، مما يؤكد أن الرؤية هنا (من الخلف) هي رؤية نافذة لأعماق الوجود الإنساني لترتفع من الحالة الإنسانية الخاصة إلى كل حالات البشر
وتأتي شخصية الأم/ الشخصية ثانوية بوصفها تحمل ثنائية الحضور والغياب، فلم تظهر ماديًا في الحدث، لكنها استُحضرت عبر الذاكرة لتؤدي دورًا نفسيًا ودراميًا محوريًا، وارتباط الشاب بها على المستوى النفسي كان ملاذه الأخير قبل الموت، حيث يوظف السرد الأم لخلق مفارقة درامية، فغضبها في الماضي من ولعه بعد النجوم لاعتقادها أنه «فأل سوء»، يتحقق فعليًا، لكن النجوم التي كانت المشهد المطبوع في عينيه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، تتشكل على هيئة وجه أمه، مانحة إياه السكينة التي يبحث عنها، ولعل هذا الحضور الرمزي للأم في لحظته تلك يمثل عودة إلى الأصل، إلى مصدر الأمان والراحة، في تناقض مع الواقع المادي القاسي.
إن السرد هنا يحاول أن يحقق أثرًا جماليًا عميقًا من خلال صياغته للنص واستخدامه لتقنيات سردية تهدف إلى توليد التشويق والإثارة وتجنب الرتابة. من أبرز هذه التقنيات “تقنية الاستراحة والوصف”، حيث يتعمد الكاتب إيقاف حركة الأحداث وزمن السرد ليتفرغ لوصف تفاصيل المشهد. هذا الوصف الدقيق، المصاغ بلغة بليغة، لم يكن مجرد ديكور، بل ساهم في خلق معنى أعمق يرمز إلى الوحدة والضياع، وهيأ المتلقي نفسيًا للحدث الختامي، كما استخدم السرد «الفجوات الدرامية”، متعمدًا لتغييب جزء كامل من الحدث وترك مساحة التأويل حرة لدى المتلقين وإشراك خيالهم في ملء تلك الفجوات، فالسرد لا يخبرنا باسم الشاب، ولا سبب الحادث، ولا وجهته، مما يخلق غموضًا متعمدًا وحالة من الإثارة، ويجعل البطل رمزًا مجردًا للإنسان في مواجهة الموت المطلق، كما تتجلى البراعة السردية أيضًا في تقنية الإيجاز، حيث اعتمدت القصة على التكثيف الشديد والجمل القصيرة المتلاحقة، خاصة في الأخير.
وهذا الإيجاز جعل النص خاليًا من أي حشو أو إطالة قد تصيب المتلقي بالملل، وجعل لكل كلمة دورًا في الفعل السردي، مما يمهد الفكرة إلى سردية الخلاص هنا، فلم يكن الخلاص نجاة للجسد، وإنما انعتاق للروح التي كانت تبحث عن ذاتها بين النجوم منذ الطفولة، وتدرجت النهاية من المقاومة إلى الاستسلام التام، حيث أدرك الشاب تفاهة الحياة الدنيا، وأن بهجتها كانت مجرد «حدث تافه وممل ومقرف جدًا»، وإن كان في ذلك نوع من الخطابية السردية -إذا صح الوصف- إلا أن هذا الإدراك منحه السلام الداخلي والرغبة العارمة في التخلي عن الجسد، ليكون الموت بمثابة الخلاص من الألم الدنيوي، والنهاية تلك تجمع خيوط القصة وتلخص الفكرة العامة حول هشاشة المادة والزمن أمام حقيقة الموت، لتقدم لنا ذلك المعنى العميق بأسلوب يسبط لا يخلو من الإثارة السردية التي تمنح فرصة للتأمل وانفتاحاً للتأويل الذي يذهب من حالة انقلاب السيارة إلى الانقلاب الوجودي الذي يضع الموت في مقابل الحياة أمام عيون البشر كلهم، وكأن هذه القصة هي المصير المشترك للوجود الإنساني لكنه وجود بالمقلوب يبدأ من النهاية حتى البداية ثم يعود مرة أخرى إلى النهاية في حركة دائرية تمثل دوران الزمن الإنساني منذ أن كان ملقى على هذه الأرض.
** **
- د.شتيوي الغيثي