ليست الذاكرة الثقافية مجرد أرشيفٍ للأحداث، بل هي-في جوهرها-سيرورة تشكّلٍ للوعي؛ حيث لا تُستعاد الوقائع بوصفها ماضياً منقضياً، بل بوصفها إمكاناً دائم الحضور في فهم الحاضر واستشراف المستقبل، ومن هذا المنطلق، تبدو مرحلة الثمانينيات والتسعينيات في المشهد الثقافي السعودي-وتحديدًا في جدة-أكثر من مجرد حقبة زمنية؛ إنها لحظة كثافة فكرية، تكوّنت فيها الأسئلة بقدر ما تكوّنت الإجابات.
هناك في فضاء النادي الأدبي بجدة، لم تكن الثقافة نشاطًا يُمارس، بل كانت سؤالًا يُعاش، وكانت السجالات الفكرية-بين تيارات الحداثة والمحافظين-تمثّل ما يسميه الفيلسوف يورغن هابرماس بـ«الفضاء العمومي»، حيث تتشكّل المعاني عبر الحوار، لا عبر الإملاء. لم يكن الاختلاف طارئًا، بل كان شرطًا بنيويًا لإنتاج المعرفة، تمامًا كما يرى كارل بوبر أن تقدّم الفكر لا يتم إلا عبر «قابلية الخطأ» وجرأة المراجعة.
في ذلك السياق، برزت أسماء أسهمت في ترسيخ هذا الأفق الحواري، ومن بينهم الناقد البروفيسور عبد الله الغذامي، الذي لم ينظر إلى الاختلاف بوصفه تهديدًا، بل بوصفه أفقًا للمعرفة. كان يدرك-ضمنيًا-ما عبّر عنه فريدريش نيتشه حين أشار إلى أن «الأفكار التي لا تُقلق، لا تستحق أن تُفكَّر»؛ فالفكرة الحية هي تلك التي تزعزع اليقين، وتدفع إلى إعادة النظر.
ولا تزال تجربة شخصية مع كتابه «الخطيئة والتكفير»-ولن أكتمكم سرًا، إذ شقّ عليّ فهم كثيرٍ مما ورد فيه عند قراءته آنذاك-تختصر شيئًا من روح تلك المرحلة؛ حين أثار عنوان الكتاب حفيظة شابٍ أعاده غاضبًا إلى المكتبة، وكأن الفكرة وحدها كانت صادمة بما يكفي لرفضها. كان ذلك المشهد البسيط صورةً مكثفة لزمنٍ كانت فيه الأفكار تُختبر علنًا، والعناوين تُقلق، والحوار-وإن لم يكتمل-يظل ممكنًا.
إن هذا التوتر بين الفكرة ومتلقيها ليس عرضًا طارئًا، بل هو ما يمنح الثقافة حيويتها. فكما يرى ميشيل فوكو، فإن المعرفة لا تنفصل عن الصراع، بل تتشكّل داخله؛ إذ تتقاطع السلطة مع الخطاب، ويتحوّل السؤال إلى أداة كشفٍ بقدر ما هو أداة قلق.
من هنا، لا تبدو تلك المرحلة مجرد «زمن جميل» يُستدعى بدافع الحنين، بل تجربة معرفية تستحق التأمل بوصفها نموذجًا لكيف تتكوّن الثقافة حين يُتاح للاختلاف أن يُعبّر عن نفسه، لقد كانت لحظة تشكّل عميقة، ليس لأنها حسمت الأسئلة، بل لأنها أبقتها مفتوحة.
وإذا كانت الذاكرة الفردية تحتفظ بهذه الشذرات، فإن الذاكرة الجمعية تحتاج إلى ما هو أكثر من التذكّر؛ تحتاج إلى التوثيق بوصفه فعلًا معرفيًا. فالتوثيق-في معناه العميق-ليس حفظًا للماضي، بل إعادة بناءٍ له في ضوء أسئلة الحاضر، وهو ما يجعل الدعوة اليوم موجّهة إلى وزارة الثقافة لإطلاق مشروع وطني يعيد قراءة تلك المرحلة، ويجمع شهاداتها، ويوثّق سجالاتها، لا بوصفها أحداثًا منتهية، بل بوصفها بنية تأسيسية في الوعي الثقافي المعاصر.
إن استعادة تلك اللحظة لا تعني تمجيدها بقدر ما تعني فهمها؛ إذ إن الثقافة-كما يذهب بول ريكور-هي فعل تأويل مستمر، لا يستقر عند معنى واحد. ومن دون هذا الفهم، تظل التجارب الكبرى عرضة للتلاشي، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها لم تُقرأ كما ينبغي.
لقد كانت تلك المرحلة ذهبية، لا لأنها خلت من التباين، بل لأنها احتضنته؛ حيث تعددت الأصوات، واختلفت المشارب، لكنها التقت-على اختلافها-في إيمانٍ عميق بأن الثقافة لا تتشكّل في اليقين المغلق، بل في السؤال المفتوح... وفي الحوار الذي لا ينتهي.
** **
أ.د.فايز الكفافي الشهري - من دفاتر سنوات البعثة، حيث تداخلت التجربة بالتأمل