دخلتُ إلى منتزه ومزارع وارفة في عنيزة الخضراء، وقد اكتسى سعف النخيل بالبياض، والعصافير في أعشاشها قد تدثرت، والقناديل المعلقة على النخيل تلمع بأشعتها.
عبرتُ جادةً مضيئة، والمقاهي الأنيقة على جانبيها، وفي كل زاوية كانت رائحة القهوة قد أزاحت رائحة عطري، فيما جعلت أصوات الناس وضحكات الأطفال وقعَ خطواتي يتوارى عن سمعي.
اخترتُ مقهى في الركن البعيد، أو لعلَّه هو الذي اختارني. طلبتُ القهوة، وشعرتُ كأنها صُنعت من بُنِّ هواجسي.
كانت شجوني تمارس رحيل المقعدين، وتحاول أن تطفئ أضواء المكان الباذخ جمالًا من حولي.
وما بين صمتي وثرثرة حيرتي، حلَّقت نظراتي في أرجاء المكان.
رأيتُ كهفًا أبيض صغيرًا شدَّني إليه عنوانه: «التيه».
اتجهتُ إليه، ودلفتُ إلى الكهف، فإذا الجدران تتزين بلوحات ناطقة لامست سمع قلبي.
صوَّرتُ لوحةً نُقش عليها:
«اللِّي يتيه بالليل عذره ظلامه
واللِّي يتيه الصبح وش يعتذر فيه؟»
تأملتُ العبارة، وكأنني في قاعة امتحان. تعرَّقت يدي وأنا أمسك بورقة الأسئلة.
علمتُ أن الكهف معرضٌ لجمعية أصدقاء المرضى في مدينتنا.
وأنا أخرج من بوابة المعرض الصغيرة، سألتني إحدى الأخوات:
- كيف رأيتَ المعرض؟
أجبتها إجابةً غير دقيقة، وقلتُ لها إنه رائع، وأخفيتُ أنني حين تأملتُ تألمت، وحين تمتعتُ تعبت.
قدَّموا لي وردة، وضيَّفوني قهوةً مُرَّة وقطعة حلوى فاخرة، ليتصارع المُرُّ مع العذب في حلبة المذاق.
غادرتُ المكان إلى البيت، واللوحة في ذاكرتي وذاكرة هاتفي، والسؤال يتمدد بين ألف هواجسي ويائها.
وبدأ الليل يسكب عتمته في أعماقي، ورياحه تطفئ الشموع من حولي، وعلى أوتار صمته كان قلبي يرقص بكاءً وأنينًا.
تخيلتُ أن السؤال الصعب مطرَّز على وسادة سهدي.
وعند بزوغ الفجر الوليد، توهمتُ أن الليل الجاثم على صدري قد أوشك على الرحيل.
أشرقت شمس الصباح، وامتلأت الشوارع بالناس، لكن شمس أعماقي كانت في كسوف، وازدادت وحدتي وسط الزحام.
نظرتُ إلى الساعة في معصمي، فبدت لي أرقامها، من الواحدة إلى الثانية عشرة، كأنها نجوم ليل في وضح النهار.
إنه الليل الأبيض... معذور.
أما أنا، إن تهتُ وتشردت، وضاعت مني إجابة السؤال، فبأي عذر أعتذر؟!
** **
- عبدالعزيز حمد الجطيلي