الأيام سيناريو متجدد بالحوار والحركة، ودورة الحياة دراما واقعية يعيشها بعضهم ويتعايش معها. للرغبة ثمن، وكذلك الحزن يأتي بلا مقدمة، والفواجع أقدار وأسباب، وقد يكون الحل في عِطف الصدمة.
جلس مسندًا ظهره إلى الجدار على سطح منزله. لطالما أحب هذا المكان وهذه الجلسة منذ صغره؛ لشعوره بالأمان والانطواء، ولأنه ما زال ينفذ وصية والده أن «يمشي جنب الحيط»، وأن يفكر مليًّا قبل اتخاذ أي قرار.
شرد في فضاء التفكير: أيتزوجها ويتوكل على الله؟ فلعلها تُشفى، والله قادر على كل شيء، ويظفر بمن أحبها منذ طفولته، بنت الجيران. أم يتريث حتى لا يندم؟ فهي تعاني منذ سنوات مرضًا نفسيًا؛ قيل: عين، وقيل: سحر، جعلها حبيسة البيت في عالم آخر، لا تعلم بمن حولها.
طال انتظاره لها، فعاش قلقًا دائمًا وإفراطًا في التفكير، وتخبو مشاعره أيامًا ثم تثور أيامًا أخرى. وأصبح يعاني إرهاق التفكير وانحسار الأمل، في صراع بين اليأس والرجاء، بينما تلوك الألسن خبره، وتردد أنه علّق قلبه في المكان الخطأ، وأن عمره يمضي سريعًا.
كان يتفاءل كلما ذهبت إلى المستشفى، لعل وعسى، فيقتفي أثرها ويتقصى أخبارها، لكنه لا يسمع إلا ما يزيده حزنًا؛ إذ إن حالتها الصحية لا تشهد تحسنًا. فيداهمه الإحباط، ويخرج من دوامة التعب يجوب الشوارع، باحثًا عن ناصح أمين، ويتمنى لو أن والده ما زال حيًّا؛ ليشير عليه بالرأي السديد.
دخل إلى «كوفي» أنيق يحتسي فيه القهوة. كان المكان يعج بالأنفاس والثرثرة، ويسمع همس الأحاديث في الجلسات المجاورة، وكل واحد يشرح مشكلاته بعدما فقد الأمل في حلها.
وقف في خياله شامخًا، تفوح منه رائحة العطر والبخور، مرتديًا بشتًا ذهبيًا، يستقبل المهنئين بزواجه في ذلك القصر الفاخر، وينتظر الهدايا والهبات من الأصدقاء وزملاء العمل. وحدّث نفسه: كيف سيتعامل معها إذا داهمتها الحالة بعد ساعات من زواجه؟
وفجأة، قطع حلم يقظته صياحُ إحدى الفتيات في المقهى، وسقوطُها على الأرض، وحشرجةُ أنفاسها، فعمت الفوضى والصياح المكان. شعر بالهلع، وتملكه الخوف، فخرج مسرعًا، يجابه المسعفين عند الباب من أجل تلك الفتاة المصروعة، وقد اتخذ في نفسه قرارًا، من أثر الصدمة، ألا يرتبط بمن لا يُرجى برؤها.
** **
- عيسى معشوف