لم تعد الرواية الجديدة مجرد توصيف زمني أو نزعة تجريبية عابرة، بل غدت تحولا عميقا في معنى السرد نفسه؛ إذ لم يعد السؤال المركزي متعلقا بما يروى، بقدر ما أصبح متعلقا بكيف روي، وبالذات التي تنتج هذا السرد وتعيد تشكيل العالم من خلاله. ومن هنا تبدو رواية «ترف الانكفاء» للكاتب وائل حفظي تجربة لافتة في المشهد الروائي السعودي المعاصر، لا لأنها تقدم حكاية مغايرة فحسب، بل لأنها تنحاز بوضوح إلى كتابة تجعل من الذات واللغة والشعور مراكز أساسية لإنتاج المعنى.
تتحرك الرواية بعيدا عن البناء التقليدي القائم على تصاعد الحدث والحبكة المحكمة، لتتجه نحو الداخل الإنساني بوصفه فضاء سرديا قائما بذاته. إننا هنا لا نتابع الأحداث بقدر ما نصغي إلى أثرها النفسي، ولا نقرأ الوقائع بوصفها مكتملة، بل بوصفها تجارب تتشكل داخل الوعي.
وسنشير في هذا المقال إلى ملامح عامة لا تحيل إلى خصائص مكتملة ولا تفضي إلى قواعد نهائية، إنما هي إشارات وتجليات وآثار يمكن التقاطها داخل النص الروائي، وقد تبلورت هذه الملامح في الآتي:
الذات بوصفها مرجعا للسرد
من أبرز ملامح الرواية الجديدة تمركز السرد حول الذات، لا بوصفها بطلا تقليديا، بل بوصفها وعيا ينتج السرد ويعيد تشكيله. وفي «ترف الانكفاء» لا تختبئ الذات خلف الحكاية، بل تصبح هي الحكاية ذاتها. فالرواية لا تقدم شخصية مكتملة الملامح بقدر ما تقدم ذاتا متشظية تحاول فهم نفسها والعالم من حولها.
ومن اللافت أن الرواية لا تمنح الشخصية المحورية اسما واضحا، وهو خيار سردي ينسجم مع الحساسية الروائية الحديثة التي تميل إلى تفكيك الهوية الجاهزة، وجعل الشخصية أقرب إلى حالة شعورية منها إلى كيان واقعي محدد. وهكذا يغدو الراوي أقرب إلى ما يسميه واين بوث «الذات الثانية للكاتب»، حيث تنهار المسافة بين من يروي ومن يشعر، ويتحول السرد إلى فعل كشف داخلي أكثر من كونه نقلا للأحداث.
كما أن الحوارات القليلة والمتأخرة في الرواية لا تبدو ضعفا سرديا بقدر ما تكشف عن طبيعة النص نفسه؛ إذ تنشغل الذات بالحوار الداخلي أكثر من انشغالها بالعالم الخارجي، ولذلك فإن الحوار حين يظهر يأتي محملا بتوتر نفسي كثيف، وتغدو لحظات الصمت والحذف والبتر أكثر دلالة من الكلام نفسه.
اللغة الشعورية وتحييد الحدث
إذا كانت الرواية التقليدية تبني عالمها بالفعل، فإن «ترف الانكفاء» تبنيه بالإحساس، ويكفي التأمل في الحضور الكثيف لمفردة «الشعور» ومشتقاتها داخل النص لإدراك طبيعة هذا التوجه؛ إذ تتكرر المفردة بصورة لافتة تجعل منها بنية دلالية واعية لا مجرد تكرار لغوي عابر.
إن الرواية هنا لا تجعل من الحدث مركزا للسرد، بل من الأثر النفسي الذي يتركه الحدث داخل الذات. ولذلك تتراجع الحبكة، ويخفت الصراع الخارجي، ليحل محله توتر داخلي صامت، وتتحول اللغة من وسيلة حكي إلى أداة تفكير في الذات والعالم.
وتبدو بعض المقاطع الروائية وكأنها تكتب الألم بوصفه تجربة وجودية مشتركة، كما في قول الرواية: «الشعور بالألم هو شعور وحدوي... لذا نحن نبكي ليشعر الآخرون بنا». ففي مثل هذه اللحظات لا تعود اللغة وصفا للحالة النفسية، بل تصبح امتدادا لها وتجليا مباشرا لصوت الذات المنكسرة.
الثلاثي الإشاري: أنا - الآن - هنا
تؤكد الرواية ذاتيتها من خلال الحضور الكثيف لثلاث مفردات مركزية: «أنا»، «الآن»، «هنا». لكنها لا تؤدي وظيفتها الإشارية المعتادة، بل تتحول إلى بنية دلالية تكشف طبيعة الوعي الروائي.
فـ«أنا» هنا لا تمثل جماعة أو خطابا جمعيا، بل ذاتا فردية تراقب نفسها باستمرار. أما «الآن» فلا يشير إلى زمن عابر، بل إلى لحظة وجودية معلقة، فيما تتحول «هنا» من مكان جغرافي إلى موضع نفسي داخلي.
ومن خلال هذا الثلاثي تعيد الرواية تشكيل علاقتنا بالعالم؛ إذ يبدو الخارج باهتا أمام كثافة الداخل، وكأن الرواية تقول: إن العالم الحقيقي لا يقع خارج الذات، بل يحدث في أعماقها.
خلاصة
تقدم «ترف الانكفاء» نموذجا للرواية السعودية الجديدة التي لم تعد معنية بإعادة إنتاج الحكاية التقليدية، بقدر انشغالها بتفكيك الذات واللغة والوعي. إنها رواية لا تراهن على الحدث، بل على الشعور، ولا تسعى إلى تقديم أجوبة جاهزة، بل إلى دفع القارئ نحو اختبار التجربة من الداخل.
ومن هنا تنبع أهمية هذه الرواية؛ فهي لا تكتفي بتمثيل التحولات الجمالية في السرد السعودي، بل تسهم في صياغة حساسية روائية جديدة تجعل من الذات مركزا للمعنى، ومن اللغة أفقا للتأمل والكشف.
وربما لا تمنحنا الرواية إجابات واضحة، لكنها تمنحنا شيئا أكثر عمقا: القدرة على الإصغاء إلى ذواتنا، ويمكن من خلال العناصر الآنفة الذكر أن نختزل رواية ترف الانكفاء في جملة واحدة شكلت البناء السردي وصبغت لغة الرواية حتى غدت بنية نصية مهيمنة، وهي: «أنا هنا أشعر الآن».
** **
- د. مفرح شعبان عسيري