ترجمة وتقديم - مي عاشور:
تجريد الأدب من ألوانه، أمر غير مُنصف. أُحب الرواية، وكذلك النثر، والشعر، وأدب المراسلات، والسير الذاتية للأدباء، وغيرها من النصوص والمقالات المتنوعة التي كتبوها حتى ولو لم تكن لها علاقة بالأدب، فهي غالباً تُكتب من زاوية مغايرة وبلغة أدبية خالصة. أرى أن نقل كل ذلك مهم، وقد يقود المترجم إلى مشروع ضخم للترجمة. فعندما يتحول الأدب إلى شغف، ويشمل ذلك الشغف ترجمة الأدب، فيكون في ذلك تحرّر من قيود شتى.
شه تييه شنغ من أبرز كتاب الصين المعاصرين، أرى أنه رمز للصمود والإرادة، كتاباته مميزة؛ تَفرد في رؤية العديد من التفاصيل في الحياة، بل ونجا من الانجراف مع تيارها القاسي بالكتابة. تناولت العديد من نصوصه حياته الشخصية، وكذلك تطرق إلى التفكير في العديد من المسائل الحياتية المختلفة بشكل فلسفي. فنرى في كتاباته موضوعات مثل: القدر، والحياة والموت وغيرها.
أبدع شه تييه شنغ في النثر والرواية، وكتب الشعر، وتميز في القصص القصيرة. كما أنه عاصر الثورة الثقافية الصينية الكبرى، ودون عنها الكثير.
كانت تجربة شه تييه شنغ قاسية. ولد في بكين عام 1951، وبعد إنهائه المرحلة الإعدادية، انقطع عن التعليم بسبب الثورة الثقافية الكبرى، وأُرسل إلى الريف في 18 من عمره، وتحديداً إلى مدينة يان آن في مقاطعة شان شي؛ وذلك تحت ضوء حركة «الصعود إلى الجبل والنزول إلى الريف»، والتحق بفريق الإنتاج الزراعي هناك. كتب شه تيه شنغ عن تجربته هناك في إحدى روايته. بدأ شه تييه شنغ يشعر بآلام شديدة في ظهره وقدميه، وعندما أصبح في 21 من عمره أصيب بشلل في قدميه، ثم عاد مجدداً إلى بكين، ومن هنا بدأ رحلته مع الكرسي المتحرك، عمل في بضعة مصانع الأحياء ببكين، وفي عمر الـ47، أصيب بداء اليوريميا. وفارق الحياة عام 2010 تاركاً إرثاً أدبياً ضخماً يستحق الترجمة.
ولدت هناك
يقول شه تييه شنغ في نص «سأرحل بخفة مثلما أتيت»: «البداية بالنسبة لي كانت في بكين، ببيت عادي ذو (*) فناء. أقف على مصطبة المدفئة، مُتكئاً بيدي على حافة النافذة، وأمد بصري إلى الفناء من وراء الزجاج. كانت الغرفة قاتمة نسبياً، والشمس مشرقة بالخارج. وفي مكان قريب، كان هناك سور قصير من أشجار «الدردار» الخضراء الندية، ويتجاوز ذلك السور الشجري القصير، بمسافة بعيدة شجرتين كبيرتين من العناب، وكانت فروعها الناضبة القاتمة هي نقوش في الأفق الأزرق، أما الجهات الأربع لشجر العناب، فكانت مطوقة بأروقة هادئة من النوافذ. هذا شكل لقائي الأول بالعالم، كان بسيطاً، ولكنه عميق الأثر.
ولكن جدتي وأمي قالتا: «أنتَ ولدت هناك»...
في الواقع، ولدت في مشفى قريب من ذلك المكان. وعندما حان موعد مجيئي إلى الدنيا، هطل ثلج غزير. وذلك الثلج الغزير النادر، استمر ليلة بأكملها، حتى طمس الطريق، أما جدتي فقد اجتازته إلى المشفى محتضنة البطانية جهزتها لي، ووصلت إلى أسفل إفريز نافذة غرفة الولادة، وبقيت واقفة هناك حتى منتصف الليل، وفي اللحظة التي شق فيها النور السماء، سمعتني وأنا آتي بخفة. وبعدها رأتني أمي. قالت جدتي أن والدتي عانت طويلاً من أجل ذلك الشيء القبيح. حينذاك كانت والدتي جميلة وشابة».
هي أجمل امرأة في العالم
كتب شه تييه شنغ عن جدته ووالدته،اللتان أثرتا فيه كثيراً. فجدته تركت قدراً كبيراً من الجمال والحب والسعادة في قلبه، وكتب عنها شه تييه شنغ: «طريقة تربيتها لم تكن تنبع من علم التربية، بل من حبها الصادق، وإجلالها وخشوعها، والهدوء والشغف المتدفقين من أعماق قلبها تجاه الكائنات والطبيعة في هذا الكون».
ارتبط شه تييه شنغ كثيراً بوالدته، فقد ساندته ودعمته، خاصة وقت مرضه، وأبداً لم تستسلم لحقيقة أنه مصاب بمرض لا شفاء منه، فحاولت مداواته بكل الطرق. تأثر شه تييه شنغ كثيراً عندما توفيت والدته، وكتب عنها في العديد من أعماله، ومن أشهرها نص «ذكرى الخريف».
يقول شه تييه شنغ: «في ذلك العام الذي كنت فيه في العاشرة من عمري، فزت بالمركز الأول في مسابقة كتابة موضوع إنشاء. وحينها كانت أمي ما زالت في ريعان شبابها. كانت متحمسة وهي تحكي لي عن نفسها، وتخبرني أنها في طفولتها كانت متفوقة في كتابة مواضيع الإنشاء، لدرجة أن مدرسها لم يصدق أنها هي التي تكتبها. قالت: «جاء المدرس إلى البيت ليسأل إذا ما كان هناك أحد من عائلتي ساعدني في كتابتها، في هذا الوقت، ربما لم أكن قد أتممت العشر السنوات بعد» .
شعرت بإحباط لسماعي ذلك، وضحكت متعمداً وقلت لها:»ربما؟ ماذا يعني ربما لم تكوني قد وصلتِ إلى العاشرة؟». فأوضحت لي أمي. تظاهرتُ بعدم الاكتراث لكلامها،كنت أقف محاذياً للجدار، وألعب تنس الطاولة، مما أثار غضبها. لكنني أعترف أنها كانت ذكية، بل وأجمل امرأة في العالم بأسره».
وظيفتي مريض وأعمل كاتب في وقت فراغي
«عندما كُنت في العشرين من عمري. شُلت قدماي. شعرت أنه يجب علي أن أقوم بعمل شيء آخر غير التلوين والرسم على البيض للآخرين، وبعد تقليب العديد من الأفكار في رأسي، قررت في النهاية أن أتعلم الكتابة. لم تكن أمي شابة حينذاك، فبسبب مرضى وشلل قدمي بدأ الشيب يغزو شعرها. كانت المشفى قد صرحت بأن مرضي مستعصي علاجه. لكن رغم ذلك، كرست أمي كل تفكيرها لعلاجي، وبحثت في كل مكان عن أطباء كبار، وسألت عن طرق العلاج الشعبية، وأنفقت أموالاً طائلة».
نشر شه تييه شنغ أولى رواياته وهو في الثلاثين من عمره، ولكن حينها كانت والدته قد رحلت، ثم بعدها ببضع سنوات، فازت واحدة من رواياته، وكان قد مضى على وفاة والدته سبع سنوات. يقول شه تيه شنغ أن في اليوم الذي فاز فيه كان يتمنى من أعماق قبله أن تكون على قيد الحياة.
الكتابة نجمة التمعت في سماء شه تييه شنغ، فتشبث بها، وخيط ضوء ألقى بنوره على دربه، فتبعه بخطواته، قال شه تييه شنغ إلى أحد الصحافيين في إحدى المقابلات» وظيفتي مريض، وأعمل كاتب وقت فراغي». وكذلك قال أنه لا يحيا كي يكتب، ولكنه يكتب كي يحيا.
سأرحل بخفة.. مثلما أتيت
يقول شه تييه شنغ في نص «سأرحل بخفة مثلما أتيت»: «الآن يلازمني هذا الشعور باستمرار: إله الموت ينتظرني بصبر لليال في الردهة بالخارج، ويجلس في مكان معتم، لا يراه سائر الناس. لا أعلم متى سينهض، ويقول لي: هيا فلنذهب. أظن أن ذلك لن يحتاج إلى إيضاح. ولكن بغض النظر توقيت ذلك، أعتقد أنني -على الأرجح- سأشعر أن ذلك حدث على عجالة، ولكنني لن أتردد أو أماطل».
«أرحل بخفة، تماماً مثلما أتيت». سبق وقلت، من رأيي أن هذا البيت من قصيدة الشاعر الصيني شو جه موه، ليس له دخل بالحياة والموت، ولكنه أنسب طريقة للتعامل معهما، ولن أجد أفضل منه ليكتب على شاهد قبري».
** **
المصادر:
* نصوص شه تييه شنغ.
* السيرة الذاتية لشه تييه شنغ.
* مقال إدراك الحياة في الحياة الواقعية