في منتصف القرن الماضي، غيَّر الفيلسوف اللغوي جون أوستين الطريقة التي ننظر بها إلى اللغة. فقد طرح فكرة بدت بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت ثورة في فلسفة التواصل: الكلمات لا تصف العالم فحسب، بل تصنع فيه أفعالًا. فنحن حين نتحدث لا ننقل معلومات فقط، بل نَعِد، ونعتذر، ونحذر، ونواسي، ونأمر، ونشجع، ونبني الثقة أو نهدمها. وهكذا تصبح اللغة فعلًا يمارس أثره في الواقع، لا مرآة تعكسه فحسب.
ولا يحتاج الإنسان إلى قاعات الفلسفة ليكتشف ذلك؛ فالحياة اليومية مليئة بالأمثلة. فعندما نسأل ضيفًا: (هل نعدّ لك كوبًا من الشاي؟)، لسنا نبحث عن إجابة لغوية مجردة، بل نمارس فعلًا اجتماعيًا يحمل الترحيب والكرم. فالعبارة الواحدة قد تقول شيئًا، بينما تنجز في الوقت نفسه شيئًا آخر، وتلك إحدى أكثر خصائص اللغة إدهاشًا.
ولعل الفصل الدراسي هو المكان الذي تتجلَّى فيه هذه الحقيقة بأوضح صورها. فالتعليم، في جوهره، ليس تبادلًا للمعلومات بقدر ما هو بناءٌ للعلاقات، وتشكيلٌ للدوافع، وإدارةٌ للمواقف الإنسانية. ولهذا لا تكون كلمات المعلم مجرد وسيلة للشرح، بل تصبح جزءًا من البيئة التعليمية نفسها؛ فهي التي تصنع مناخ الصف، وتحدد طبيعة العلاقة بين المعلم وطلابه، وتؤثر في استعدادهم للتعلم قبل أن تؤثر في فهمهم للمحتوى.
ولهذا تكتسب الأفعال الكلامية أهمية خاصة في الواقع التعليمي؛ إذ لا يقتصر أثرها على تنظيم الحوار، بل يمتد إلى بناء الثقة، وتعزيز الدافعية، وتقويم السلوك، وإشعار الطالب بأنه شريك في عملية التعلم. وقد تكون كلمة واحدة سببًا في إقبال طالب على التعلم، كما قد تكون كلمة أخرى سببًا في انطوائه أو عزوفه. لذلك لا تكمن قيمة لغة المعلم فيما تقوله فقط، بل فيما تفعله داخل نفوس المتعلمين.
وتظهر الأفعال الكلامية المباشرة بوصفها لغة الحزم والوضوح؛ حيث يتطابق اللفظ مع المقصود دون مواربة. ففي لحظات الاختبار، أو أثناء الفوضى، أو عند التعامل مع موقف يستدعي سرعة الحسم، يحتاج المعلم إلى عبارات واضحة مثل: (افتحوا دفاتركم الآن)، أو (التزموا الصمت)، أو (انتهى وقت الاختبار، ارفعوا الأقلام). وتمتاز هذه الصيغة بقدرتها على إزالة الالتباس، وحسم الموقف، وتحقيق الانضباط، لكنها إذا تحولت إلى الأسلوب الوحيد في التواصل، فقد تجعل الصف أقرب إلى مساحة تُدار بالأوامر منها إلى مجتمع يتعلم بالحوار.
وفي المقابل، تمنح الأفعال الكلامية غير المباشرة العملية التعليمية بعدًا أكثر إنسانية. فالمعلم الخبير لا يحتاج دائمًا إلى الأمر الصريح أو التوبيخ المباشر؛ إذ يدرك أن التلميح المهذب قد يكون أبلغ أثرًا من التصريح. فعندما يقول: (ألاحظ أن بعض الطلاب لم يفتحوا كتبهم بعد)، فهو لا يصف مشهدًا فحسب، بل يدعو إلى الانتباه دون إحراج. وحين يسأل: (هل يمكنك قراءة الفقرة يا أحمد؟)، فإنه يقدّم التكليف في صورة ثقة واحترام، لا في صورة أمر جاف، فيشجع المشاركة ويحفظ كرامة الطالب في آن واحد.
ويمتد هذا الأسلوب إلى تفاصيل تبدو عابرة، مثل إدارة الوقت داخل الحصة. فعندما يقول المعلم: (بقيت خمس دقائق على نهاية الحصة)، فهو لا يعلن الوقت فقط، بل يوجه الطلاب إلى تنظيم أعمالهم والاستعداد لإنهائها. إنها عبارة خبرية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها فعل تربوي يحقق غايته بهدوء، ويؤكد أن اللغة تستطيع أن تقود السلوك دون أن ترفع صوتها.
ولا يعني ذلك أن أحد الأسلوبين أفضل من الآخر بإطلاق؛ فلكل مقام مقال. فالمواقف التي تتعلق بالسلامة، أو تعليمات الاختبارات، أو الإجراءات التي لا تحتمل التأويل، تحتاج إلى خطاب مباشر واضح، بينما تتيح المواقف اليومية مساحة أوسع للخطاب غير المباشر الذي يحفظ كرامة الطالب ويعزِّز شعوره بالمسؤولية. كما أن المرحلة العمرية والفروق الفردية تؤثر في اختيار الأسلوب الأنسب؛ فالأطفال يحتاجون إلى وضوح أكبر، في حين يستجيب المراهقون غالبًا للخطاب الذي يحترم استقلاليتهم.
ولعل أعظم ما يملكه المعلم ليس صوته، بل اختياره للكلمة المناسبة في اللحظة المناسبة. فالكلمات لا تنقل المعرفة وحدها، بل تبني الإنسان أيضًا. وحين يُحسن المعلم الموازنة بين حزم العبارة وذكاء الإشارة، تتحول اللغة من وسيلة للشرح إلى وسيلة للتربية، ومن أداة لإدارة الصف إلى جسر يصنع الثقة، ويمنح التعلم أثرًا يبقى في النفوس طويلًا بعد انتهاء الدرس.
** **
- عماد أحمد محمد أبوزهير