كيف يعيد الوعي ترتيب المعاني بداخلنا بعد كل تجربة موجعة أو نضج خفي؟ هل الوعي «فهم عقلي» أم «حالة عبور» وتجربة حية؟ وكيف يتحول الصبر أو الصمت من فضائل إلى أعباء إذا لم نفهم «المرحلة» التي نمر بها.
هل تبقى الأشياء كما عرفناها أول مرة؟ للجواب عن هذا السؤال، يجب أن نتحدث عن مفهوم التمرّحل؛ لأن مجرد فهمك له يسهل عليك التعامل مع الأنا والآخر؟ والحياة بشكل أوسع.
نحن نعيش غالبا بين وهم ما انتهى فعلًا وما نصرّ على إبقائه حيًا بداخلنا، غالبًا ما نحب أن نعرّف أنفسنا بطريقة ثابتة:
هذا أنا، هذا ما أحب، أفضّل هذه الأماكن، الخ، لكن تمر السنوات لنكتشف أن النسخة التي دافعنا عنها كثيرًا لم تعدّ تشبهنا! وهنا تحدث المقاومة، بعض الناس يتقبل التغيير والبعض يعيش حالة حداد على ذاته القديمة.
التمرّحل كمفهوم ليس مجرد انتقال زمني بل قانون وجود، والفكرة الجوهرية للتمرّحل ليست أن الأشياء تتغير دائما، بل أن كل معنى في الحياة له طور مناسب له.
والمقصود بالضبط أن الإنسان يمرّ بمراحل نفسية وفكرية مختلفة عبر أطوار حياته، ولكل مرحلة احتياجاتها وطريقتها في الفهم والشعور والتعامل مع الحياة.
فإذا تشبّث الإنسان -خوفًا- بشيء في حياته بعد انتهاء مرحلته الطبيعية، بدأ ذلك الشيء يفقد معناه أو يتحول إلى عبء.
والمؤلم أن المجتمع غالبًا يطالبنا بالثبات، بينما الحياة قائمة أصلًا على التحول!
ولكي تتضح الصورة نضرب مثلا على التمرّحل في الوعي:
وهو من أكثر الظواهر الإنسانية خفاءً وإرباكًا؛ لأن الإنسان يظن غالبًا أن الفهم مسألة عقلية بحتة، بينما الحقيقة أن بعض المعاني لا تُدرك بالذكاء وحده، بل بالعبور.
هناك أبواب في الحياة لا تفتحها القراءة، ولا الشرح، ولا النصائح، بل تفتحها التجربة حين تمرّ الروح في مخاضها الخاص وتتبلور.
ولهذا قد نقف أمام فكرة عظيمة سنوات طويلة دون أن تنفذ إلينا، لا لأننا عاجزون عن فهمها، بل لأن وعينا لم يبلغ بعد المرحلة التي تجعلها حيّة في داخلنا.
فعبارة عن الفقد مثلًا قد تمرّ باردة في سنوات الطمأنينة، ثم تتحول بعد خسارة واحدة إلى شيء يشبه المرآة التي يرى الإنسان فيها هشاشته كاملة.
وكلمة عن الصبر قد تبدو نصيحة عابرة، حتى تأتي الأيام التي يضيق فيها العالم، فيفهم المرء فجأة أن الصبر ليس مجرد فضيلة هادئة كما تخيّل، بل معركة داخلية طويلة يخوضها الإنسان مع انكساره وخوفه ووحدته.
يحدث ذلك أيضا مع ذلك الكتاب الذي قرأناه في مقتبل أعمارنا وبعد مضي السنوات نقرؤه مرة أخرى لنتفاجأ أن الكاتب لم يكن سطحيًا كما ظننا بل نحن الذين قرأناه من السطح! لنكتشف أن الذي تغيّر في الحقيقة هو القارئ لا النص؛ فالوعي حين يمرّ بتجربة موجعة، أو نضجٍ خفي، يعيد ترتيب المعاني داخله، فتظهر له أشياء كانت معتمة من قبل.
ولهذا لا يستطيع الإنسان أن ينقل وعيه كاملًا إلى غيره مهما كان بليغًا؛ لأن جزءًا من الإدراك لا ينتقل عبر اللغة، بل بالاحتكاك بالحياة نفسها وخوض التجربة الخاصة.
الأب مثلًا قد يكرر نصيحته سنوات، ويظن ابنه أنه يبالغ أو يتشدد، ثم تمضي الأيام، ويقف الابن في الموقف ذاته، فيسمع العبارة القديمة داخله بصوت مختلف تمامًا، كأن الزمن أخيرًا ترجمها له.
وهنا تتجلّى مأساة الإنسان الجميلة: أنه كثيرًا ما يفهم الأشياء بعد أن يعبرها، لا قبلها.
ومن أجل ذلك قد تختلف أعمار البشر الداخلية، حتى لو تشابهت أعمارهم الزمنية. فقد يعيش أحدهم أربعين عامًا دون أن يغادر وعي البدايات، بينما يكبر آخر عمرًا كاملًا من تجربة واحدة أعادت تشكيل نظرته إلى العالم.
ومع ذلك لا يمكن اعتبار التمرّحل مجرد انتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى، بل يجب أن يسأل الإنسان نفسه هل ما حدث معه تحولاً حقيقًا أم مجرد تكيّف؟ أو ربما مجرّد ردة فعل لاستنزاف طال أمده؟
فبعض التحولات لا تكون نضجًا حقيقيًا إنما مجرد تغيّرات فرضتها ظروف معينة.
فالاتزان مثلًا حالة وعي يظل الإنسان فيها قادرًا على الشعور، لكنه لا يترك مشاعره تبتلعه. أما التبلّد فهو انطفاء داخلي يجعل الإنسان أقل تأثرًا لا لأنه تجاوز الأشياء، بل لأنه استُهلك حتى فقد قدرته الطبيعية على التفاعل.
كذلك الانسحاب قد لا يكون حكمة والصمت قد لا يكون سلامًا نفسيًا؛ فقد يخوض الإنسان من الخيبات ما يجعله ينسحب ليس لأنه أدرك قيمة المسافات بل لأنه ببساطة لا يملك طاقة كافية للعودة إلى الحياة بنفس الطريقة.
وهنا نعود لجوهر التمرّحل، فالتمرّحل لا يدعو إلى التخلّي البارد عن معتقداتنا، هويتنا، علاقاتنا، ولا إلى التعامل مع الحياة بخفة عابرة، بل يقوم على فهم أكثر نضجًا لطبيعة التحوّل. فبعض الأشياء تزدهر في وقتها، ثم يأتي زمن آخر تحتاج فيه إلى أن تتغيّر، أو تتراجع، أو تنتهي بهدوء. والنضج الحقيقي لا يكمن في التمسك بكل ما عرفناه، بل في القدرة على إدراك أن بعض المراحل لا ينبغي أن تُخلّد؛ لأن جمالها كان مرتبطًا بزمنها، لا ببقائها إلى الأبد.
** **
د. حنان سعود الشمري - أكاديمية وأستاذ مساعد في جامعة الحدود الشمالية - تخصص دقيق: أدب ونقد.