السيمياء هي: «العلم العام الذي يدرس كل أنظمة الرموز اللغوية وغير اللغوية التي بفضلها يتم التواصل بين البشر»، والسيمياء تدرس كل الرموز مهما كانت، شرط أن يتحقق التواصل عبرها، فهي: «علم العلامات أو السيرورات التأويلية، توجد إذن -كما ذكر أمبيرتو إيكو( 1988) -روابط عميقة بين العلامات والتأويل»، فالعلامة تخضع لعمل تأويلي، وكل علامة تحيلنا إلى علامة أخرى.
والسيميائية «كما يعرفها سعيد بنكراد هي دراسة حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية، ويرى بأنها في حقيقتها كشف واستكشاف لعلاقات دلالية غير مرئية من خلال التجلي المباشر للواقعة، كما يرى بأنها تدريب للعين على التقاط الضمني والمتوازي والمتمنع، لا مجرد الاكتفاء بتسمية المناطق أو التعبير عن مكنونات المتن»
ويعد الجاحظ من أبرز البلاغيين الذين أولوا عنايتهم بدراسة أنواع العلامات عبر البيان حيث يقول: «والبيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون ضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته ويهجم على محصوله كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان الدليل، فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع»، فالبيان عند الجاحظ هو سبيل الدلالة سواء أكان ذلك بأدوات لغوية أم غير لغوية، فيمكن أن تتواجد الدلالات عبر اللغة كما يمكن أن تتم بعناصر خارجة عن إطار اللغة، لكن المهم أن يتضح المعنى وينجلي عبر الإفهام والإبانة.
أما أنواع العلامات عبر الدلالات المختلفة فيجملها قائلا : «جميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللفظ ثم الإشارة ، ثم العقد، ثم الخط، ثم الحال التي تسمى نصبة، والنصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا تقصر عن تلك الدلالات، ولكل واحد من هذه الخمسة صور بائنة من صورة صاحبتها وحلية مخالفة لحلية أختها»، يظهر الجاحظ من خلال هذا التحديد مدركا تمام الإدراك لماهية تصنيف الدلالات والعلامات، سواء العلامات اللفظية منها أم غير اللفظية، والتي تسهم في تحقيق المعنى والمفاهمة بين المرسل والمستقبل، كما أنه واع للفرق بينها، وأنها مختلفة ومقسمة وإن كان الغرض واحدا، حيث « يمكننا القول: إن التصور السيميائي للعلامة عند الجاحظ هو تصور بياني لذا وجدنا عمر أُوكان يفرد للجاحظ عنصرا في كتابه: « اللغة والخطاب» يعنونه بــ: « الجاحظ وسيميائية البيان»، وذلك بعد حديث شامل عن تناول الدلالة وكيفية استقلالية البعض منها عن الآخر بين الحيوان والإنسان في الاستدلال والبيان».
كما اشتمل كتاب أبي الهلال العسكري على عدة أفكار وقيم بلاغية وسيميائية، منها أنه فرّق بين الدلالة والدليل، وقسّم الدلالة إلى أربعة فروع، وأول هذه الفروع ما يستدل به حتى وإن لم يكن هناك قصدية في هذه الدلالة، كآثار الحيون الذي لا يقصد أن يترك أثرا، والثاني العبارة عن الدلالة كأن يقال للمسؤول: أعدد دلالتك، والثالث: الشبهة، وهي دلالة المخالف كذا، أي: شبهته، والفرع الأخير من الدلالة: الأمارات، يقول الفقهاء: الدلالة من القياس كذا والدليل فاعل الدلالة.
كما ذكر العسكري الفرق بين الدلالة والعلامة بقوله: « الدلالة على الشيء ما يمكّن كل ناظر فيها أن يستدل بها عليه كالعالم لما كان دلالة على الخالق كان دالا عليه لكل مستدل به، وعلامة الشيء ما يعرف به المعلّم له، ومن شاركه في معرفته دون كل واحد كالحجر تجعله علامة لدفين تدفنه، والتصفيق تجعله علامة لمجيء زيد، فالعلامة تكون بالوضع والدلالة بالاقتضاء» ، ويتبين لنا أن البيان عند أبي هلال العسكري شأنه شأن الجاحظ قد ولد أفكارا سيميائية قيّمة، أبرزت عمق التفكر في الدلائل، فجملة الإشارات السيميائية هي من صميم البيان وفاعل من فواعله.
أما عبد القاهر فيرى أن الصورة البيانية تشتغل اشتغالا دلائليا، حيث نجد علامة أولية هي المعنى الحقيقي الأولي، ثم تفضي هذه العلامة الأولية إلى علامة ثانية هي المقصودة من هذه الصور، وهذه قضية «معنى المعنى» التي أشار إليها عبد القاهر، يقول في ذلك: «هي أن تقول المعنى ومعنى المعنى، تعني بالمعنى أن تعقل من اللفظ معنى ثم يفضي بك ذاك المعنى إلى معنى آخر»، فعمل الصور البيانية هو نشاط عقلي محض، نربط فيه الدلالة المجازية انطلاقا من الدلالة الحقيقية حتى نكشف المعنى ونفهمه.
ونخلص مما تقدم إلى أن البلاغيين والنقاد العرب القدامى قد اعتنوا عناية كبيرة بالدلائل عبر الدلالة، كما حددوا العديد من المفاهيم التي استوقفتنا، مبينين أهمية تلك المفاهيم: القصد، الدليل، الدلالة، الدلائل، المعنى، العلامة، الوسم، الخط، الكتابة، اللفظ، العقد وغيرها، وهذا ما يلتقي مع آراء الباحثين في السيمياء من المحدثين.
وتكشف العلاقة بين البلاغة العربية وعلم الدلالة (السيمياء) عن وجود تقاطعا ت معرفية عميقة تجمع بينهما إذ يشتركان في دراسة المعنى ووسائل إنتاجه داخل الخطاب، كما أن التراث البلاغي العربي يتضمن تصورات دلالية سبقت المناهج الحديثة، مما جعل إعادة قراءته في ضوء الدراسات اللسانية الحديثة أمرا مهما لاستكشاف بذور تلك المناهج وتأصيلها وربطها بمصادرها .
لقد شهدت الدراسات المعاصرة تحولات مهمة في فهم البلاغة العربية فهما أعمق، إذ انتقلت من كونها علما تزدان به الألفاظ وتبدو بحلة بهية إلى علم يهتم بتحليل الخطاب وبنية التركيب وفهم المعنى من خلال السياق، وأصبحت البلاغة بمفهومها الجديد تهتم بتحليل البنية الخطابية، ودراسة الأبعاد التداولية للنص، والكشف عن الوظائف الإقناعية والجمالية، وربط اللغة بالسياقات الثقافية والاجتماعية، وبذلك أصبحت العلاقة بين البلاغة والدلالة أكثر تداخلاً وتكاملاً.
كما أن كثيرا من مقومات المناهج النقدية الحديثة لها أصول في نصوص البلاغيين العرب، وإن كانت إشاراتهم وتأملاتهم النقدية منثورة بين دفتي كتبهم ومؤلفاتهم ، مرة تلمح وأخرى تصرح ،وحينا ترد بالتنظير لها ، وحينا آخر بالتطبيق والممارسة إلا أنها تعدّ أساسا وأصلا لتلك النظريات النقدية الحديثة، وهنا نجمل وقفاتهم مع تلك المناهج برأي حمادي صمو وتقسيماته لها بقوله :» قسم تنحصر فيه وظيفتها في مؤدى الكلمة اللغوي، من إبانة وإفصاح وبيان، ويرتبط موضوعها بالحكمة طريقا إلى زكاة النفس، وتربيتها وتأديبها، مما يبرز الطابع النفعي المنتظر من كل خطاب بليغ، بعيدا عن كل تصور فني، وقسم يركز على مقاصد البلاغة العقائدية ويوظفها لغايات جدلية إقناعية، فتسخّر للشيء ونقيضه، تبعا لحاجات المتكلم من خطابه، وبهذا يذكرنا بمقاصد الخطابة عند أقوام أخرى خاصة اليونان، ومن ألصق التعريفات بهذا النحو قول ابن المقفع: « كشف ما غمض من الحق، وتصوير الحق في صورة الباطل»، وقد جمع في هذا التعريف بين وظيفتين، ترتبط الأولى بالمعنى اللغوي، أما الثانية فتشير إلى هيأة النص وشكله وإلى أن المعول في كل عملية بلاغية على الصياغة اللغوية، وقدرتها على الإيهام والتخييل إلى درجة الإقناع بتغير الأحكام والجواهر وهي ثابتة، والقسم الثالث وهو أوفرها، فمكرّس لإبراز المقاييس الأسلوبية في النص الأدبي في مستوى بنيته الكلية، وما يجب أن يقوم بين أجزائه من تلاحم، وفي مستوى مكوناته الأساسية أي الكلمة، وقد ضبطت خصائص اللفظ في ذاته، بأن يكون سليما عن التكلف، بعيدا عن سوء الصنعة، بريئا من التعقيد، وهي مقاييس انطباعية يتحقق بها الطبع، وقرب المأخذ، بحيث ينطبع معناه في الذهن بمجرد تلقيه، فلا يكون السامع، ليفهم المراد، في حاجة إلى أن يطيل التأمل والتفكر»، وبهذا يتبين أنه كان للبلاغيين العرب لفتات ووقفات تتقاطع مع الباحثين المعاصرين فيما نادوا به ، واهتمام مشترك في أمور عدة منها الاعتناء بالمقام والمقال، وكذلك ارتباط النظم بالنص لا بالجملة، وعنايتهم بالمتكلم البليغ ومراعاة أحوال المستمع وعناصر الخطاب وما يقتضيه من تفكير أسلوبي معتمدا على الحجة بقصد التأثير والإقناع.
** **
ردينة أحمد إدريس - ماجستير أدب وبلاغة من جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن