يمكن النظر إلى الكرم بوصفه استعدادًا إنسانيًا، تتشكَّل تجلياته في ضوء الثقافة التي تمنحه دلالاته الاجتماعية، ومن ثم يمكن عده أحد البنى الثقافية التي أسهمت في تشكيل الشخصية العربية على امتداد التاريخ، استنادًا إلى ما أرسته الثقافة الجمعية، وما نقلته النصوص الدينية والأدبية عبر الأمكنة والأزمنة المختلفة ويفهم الكرم في هذا السياق بوصفه بنية كبرى ينتظم ضمنها حضور الضيف وما يصاحبه من أبعاد احتفائية تنقله من فضاء الحاجة إلى فضاء الالتزام الثقافي، ومن ممارسة فردية إلى مورد ثقافي ذي أبعاد اجتماعية واقتصادية؛ ليغدو بذلك أحد عناصر القوة الناعمة.
وفق هذا التحول المفهومي أعاد الكرم تشكله؛ فانتقل من المحدودية إلى الوفرة مع احتفاظه بوظيفته الأساسية المتمثلة في تأكيد الهوية الثقافية من خلال تحول فعل الإكرام من ممارسة اقتصادية إلى خطاب ثقافي ومن منفعة آنية تهدف إلى الإشباع إلى استثمار في العلاقات الإنسانية الممتدة بين الضيف والمضيف والسياق الاجتماعي؛ وهي هوية تتشكَّل بصورة دينامية متعاقبة تسهم في بقاء المكون الاجتماعي من خلال الاعتراف بالضيف إذ يُعد الإكرام فعلاً جماعيًا يعبر عن البنية الثقافية للمجتمع ويغدو علامة مميزة له وفق الثيمة المتعارف عليها والرؤية الثقافية التي يؤسس لها العرف والعادة والتقليد .
وفي إطار العناصر الثقافية التي تعكس هوية المجتمع، يتحول الكرم من كونه ممارسة فردية إلى نظام ثقافي يعيد إنتاج المكانة والهوية الجمعية، ويحدد أطره وسياقاته الاجتماعية التي ينتظم داخلها الإنسان بوصفه متشكلاً ضمن ثقافته ونتاجًا لشبكة من العلاقات المتبادلة.
ومن هنا يُنظر إلى الكرم في المنظور الأنثروبولوجي بوصفه أحد مقومات بناء الثقافة التي تؤدي دورًا في التماسك الاجتماعي، وليس فعلًا هامشيًا فرديًا، ويظهر ذلك في التمثلات الثقافية للكرم في المجتمع السعودي، حيث يحتفظ الكرم بدور اجتماعي يُمارس ضمن أطر ثقافية تسهم في بناء العلاقات وتعزيز المكانة وإعادة إنتاجها داخل البنية الاجتماعية، بما يمنحه مشروعيته الثقافية بوصفه جزءًا من البنية القيمية للمجتمع.
** **
- د. إدريس بن إبراهيم البريدي