حين أجلس للنحو وأستمع إليه، أجمع شتات العقل، وما ند من الفكر، وألم شعث الفؤاد، وأسكن الجوارح، وأصوب النظر، ولكن الإصابة خاطئة؛ فيفهم كل ما حولي، ويعي من كان قربي، حتى الجمادات تكاد تنطق بالنحو وتعرب وتفصح، إلا أنا! فأبدأ بالتحفيز، ولنَفسي بالتعزيز، ولكن مشواري يبوء بالتغريز.
ما فقهت ما درسته في المدارس أو في المعهد؛ ففيه درسنا شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك، وفي الجامعة «أوضح المسالك»، أو كما يسميه بعض الأشقياء: «أوضح المهالك».
ولم أخرج من ذلك إلا بشاهد حفظته:
لعن الإله تعلة بن مسافر
لعنا يشن عليه من قدام
فلا ابن عقيل عقلني، ولا ابن مالك ملكني، وأصبحت في القواعد من «القواعد»!
أسمع من المعلم قوله: «أسامة، أنت ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث»؛ أرأيتم؟ يقول لي: «التأنيث»! ثكلته أمه. وآخر يجعلني مثلا فيقول: «دريهم» تصغير «درهم»!
فبعد كل هذا القصد والاستفزاز، إن وقعت في اللحن، وقلبت الإعراب رأسا على عقب، فلا تلوموني، ولوموا النحوي الذي وجه استفزازه نحوي، والآخر الذي بمثاله في الصرف يريد صرفي!
فلولاهم لكنت ملك النحاة، كما سمى نفسه الحسن بن صافي البغدادي، رحمه الله، وكان يقول: «هل سيبويه إلا من رعيتي وحاشيتي؟ ولو عاش ابن جني لم يسعه إلا حمل غاشيتي!».
ومن باب الاستطراد والطرائف، كان إذا ذكر واحدا من العلماء قال عنه: «كلب من الكلاب». فقال له رجل: «أنت إذا لست ملك النحاة، بل ملك الكلاب». فاستشاط غضبا، وقال: «أخرجوا عني هذا الفضولي».
ثم عزمت غير حازم، وحزمت غير عازم، على قراءة الآجرومية، واستمعت إلى شروحها مرات ومرات، ثم انتقلت بعدها إلى الآجرومية، ثم بعدها إلى الآجرومية، لا أجاوزها!
وكأني بابن آجروم يصيح في القوم: «صنعتها للمبتدئين، ولكن ليس لمثل هذا».
كأنه يقول: صاحبكم، ككل مولود، تحدث العربية؛ فأبواه تحدثا بها، ودرس بها وتعلم، ففطر عليها كلامه، ولكن «هذا» ما استقام لسانه ولا أقلامه.
النحو والقواعد، في اعتقادي، يحتاجان إلى عقل رياضي مرن الفهم، لين الغرس، تلقى في أرضه المعلومة فتثمر. لكن «أنا» - وأعوذ بالله من هذه «الأنا» - لا رياضة عقل ولا جسم، وقد قالوا: «العقل السليم في الجسم السليم».
قال شعبة: «من طلب الحديث ولم يبصر العربية، فمثله مثل رجل عليه برنس وليس له رأس».
حتى أصبحت أكرر بيني وبين نفسي: النحو صعب وطويل سلمه، وأنا أضعت السلم، فكيف لي بالصعود؟!
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
** **
- أسامة بن زيد بن سليمان الدريهم