حوار - نورة محمد المعطاني:
عُرفت الكاتبة كفى عسيري بأعمال إبداعية متنوعة، تستمد كثيرًا من ملامحها من البيئة الجنوبية بما تحمله من ثقافة ولغة ولهجة وذاكرة مكانية ثرية. وفي هذا الحوار مع «الجزيرة الثقافية»، تتحدث عسيري عن حضور البيئة في تجربتها السردية، وعلاقتها بعسير، وتوظيف المحكي في أعمالها، وصورة المرأة في قصصها، والتحولات التي طرأت على تجربتها مع اللغة والحكاية. كما تتوقف عند تجربتها في نادي أبها الأدبي، وشغفها بالعمل الثقافي والكتاب، وتتحدث عن مشروعها القصصي الجديد وتجربتها في القصة المحكية من خلال مجموعتها الصادرة حديثًا «لاقية».
يقال إن كفى عسيري تؤثث فضاءها القصصي من البيئة الجنوبية؛ إلى أي مدى ترين أن هذا الوصف يعبّر عن تجربتك؟
هذه حقيقة. أنا واحدة من كتّاب كثيرين حضرت البيئة في أعمالهم السردية، سواء في الرواية أو القصة. وهذا الانتماء لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة الارتباط المباشر بالمكان وأهله ومكوناته الطبيعية.
أن تجد نفسك مولودًا وناشئًا في مكان واحد، وتبقى فيه من دون أن تغادره، ومحاطًا بأشخاص ارتبطت جذورهم بهذا المكان ارتباطًا وثيقًا؛ كل ذلك يشكل وعيًا خاصًا بك يختلف عن الآخرين. وبالتالي، لا بد أن تتأثر بالقيم والعادات والتقاليد والأعراف واللهجة. وكل هذه قوالب تتشكل فيها كتابتك، ويتجلى من خلالها تمسكك بهذا التكوين الطبيعي الذي ألفته وألفك.
وفي الحقيقة، أنا سعيدة للغاية بأن حظيت قصصي باكتشاف هذا الخط المميز، خصوصًا أنه خط ارتبط بأحد أهم الكتّاب العرب، نجيب محفوظ، ولا شك أن الاقتراب من تجربة أبينا الأدبية أمر لافت ومهم.
كما أن بيئتنا في عسير ملهمة ومحفزة؛ بتاريخها وجغرافيتها وطبيعتها وقيمها وقضاياها، وهذا كافٍ لصناعة تجربة مختلفة.
وهل تكتبين البيئة لأنها تسكنك، أم لأنك ترين في الأدب وسيلة لحفظ ذاكرتها؟
كلاهما. فعسير، رغم تاريخها الطويل في مواجهة التحديات، ورغم جغرافيتها الصعبة، بيئة أنثوية رقيقة؛ تغفو غيومها على صدور الجبال، ويهادن ضبابها شمسها، وتحتضن بيادرها الوجوه السمراء وهم يصلّون ويغنون ويمتنون للسنابل الصفراء في أعراس البلاد الموسمية.
مطرها فتنة الفلاحين، وصباحاتها فضاء مفتوح للركض المبهج، وفي سمرات لياليها تتردد أصوات الشعراء بين «قُتَر» البيوت، فتغني قلوب الصبايا، ويهز وقع أقدام مؤدي الخطوة القاع، فتنتشي مزاهر الريحان والبرك والشذاب.
عسير تستوطن العقل والقلب والحرف
أما من جهة أن الأدب يحفظ ذاكرتها، فهو كذلك. ففي ظل اختلاط الهويات، وتشابه الألسن، واندماج الحضارات، يصبح الأدب معنيًا بحفظ الحدود بين لغة وأخرى، وثقافة وأخرى، وهوية وأخرى. والأديب ممثل لمكانه وحارس لمكوناته المهمة؛ من لغة وتاريخ وثقافة، ومسؤول عن إبرازها وتقديمها إلى الخارج بما تحمله من تنوع واختلاف وبساطة.
بين «حالية اللبن» و«منديلها الأصفر» و«ريحانتي» و«ضباب»، ما الخيط الذي يجمع هذه الأعمال؟ وما الذي أردتِ أن يبقى منها؟
الرابط الأهم هو الإنسان بقضاياه وأوجاعه ومتاعبه التي وجدها تنتظره؛ سواء كانت قضايا رافقت الإنسان منذ خُلقت الأرض، أو قضايا اكتسبها من بيئته وظلت ملازمة له.
أما ما أريده أن يبقى، فأعتقد أن الهدف الأول للقصة هو استخراج ملفات القضايا، الكبيرة منها والصغيرة، من الأدراج، ووضعها على طاولة مكشوفة أمام الجميع. وأظن أن هذا ما أريده وما يريده كل كاتب؛ أن تسهم نصوصه في نبش قاع المجتمع، وهدم الجدران التي تستر الفساد والفقر والحرب والظلم والتسلط، وكل قضية تعطل الإنسان.
في قصصك تناولتِ المرأة في البادية الجنوبية رمزًا للكفاح والتحدي، ثم صحبتِها إلى آفاق أبعد من ذلك؛ فماذا تريد كفى أن تقول من خلال هذه المرأة؟
كفى هي المرأة. لقد عشت تحولات كبيرة على المستوى الشخصي، وشهدت تحولات أكبر على مستوى الوطن، وهذا ما يجدر الحديث عنه.
حضرت المرأة في أعمالي قروية بسيطة، وأمًّا، وزوجة، وحبيبة، وحضرت بقضايا موجعة ومنهكة، وهي تواجه زمنًا قاسيًا امتد عقودًا. ثم تحولت الأزمنة، وتغيرت الظروف، وشهدت المرأة السعودية تحولًا كبيرًا في حضورها ومشاركتها وتمكينها.
وهذه إحدى مهام الأدب؛ رصد التحولات الإيجابية التي تشهدها مملكتنا الحبيبة، وما وصلت إليه المرأة من تمكين وحضور قيادي في الداخل والخارج.
بين الحكاية الشعبية والنص الأدبي مساحة دقيقة، قد يفقد فيها الكاتب روح الحكاية أو يكررها كما هي. كيف تحققين التوازن بين أمانة الذاكرة وحرية الخيال؟
الذاكرة تشبه الصورة الفوتوغرافية؛ تحفظ الشكل الظاهري وتبقي عليه فترة زمنية قد تطول أو تقصر، ثم يأتي الخيال ليعالجها، فتصبح أكثر وضوحًا وتفصيلًا، ويبث فيها الحياة.
وفي النصوص، سواء كانت حكاية شعبية أو قصة قصيرة، تؤدي المخيلة دورًا أساسيًا. فالحكاية الشعبية صورة يهبها خيال القاص -لا الحكّاء أو الراوي فحسب- حياة أخرى، مع الاحتفاظ بهويتها الأصلية.
أما القصة القصيرة، فترفض أن تتجسد في صورة خرساء مقيدة بزمن واحد وحياة واحدة، والقدرة على التقاط هذا الفرق تكمن في دراية القاص واحترافيته.
بعد سنوات من الكتابة، ما الذي تغير في علاقتك باللغة والحكاية؟ وهل أصبحتِ اليوم أكثر بحثًا عن الجملة التي تقول أقل وتترك للقارئ مساحة أكبر للتأويل؟
أظن أنني بدأت هكذا. لست ممن يستهلكون الكثير من الكلمات والجمل في نصوصهم القصصية؛ فأنا أحاول الإيجاز، حتى تنبهت إلى أن أغلب نصوصي قصيرة جدًا.
وبالطبع، لا بد من إشراك القارئ في تخيل الحدث بالشكل الذي يراه، ثم وضع النهاية وفق ما يرتضيه. كما عملت، منذ كتابة مجموعتي الثالثة «ريحانتي»، على التخفف من النصوص المباشرة الخالية من الشاعرية.
وفي العموم، أحاول تطوير أدواتي والتخلي عن قناعات سابقة قد لا يتقبلها القارئ أو يختلف معي الناقد حولها. والقصة القصيرة، في كل الأحوال، مرنة وقابلة للتغيير والتبديل حتى يصل القاص إلى النص الذي يرضيه.
هل لا تزال مفردات الجنوب الدارجة تجد لها مكانًا في نسيج قصص كفى، أم أن الكتابة أخذتك إلى آفاق لغوية أخرى؟
نعم، أعتقد أن توظيف المحكي ضرورة لإبراز تباين الهويات؛ لذلك أحرص عليه في جميع أعمالي القصصية، منذ العمل الأول وحتى الأخير.
وكما أقول دائمًا: البيئة من العناصر التي ينبغي أن يبرز حضورها في أعمال الروائي أو القاص. وربما يحدث مستقبلًا تغيير تفرضه هوية أخرى أو بيئة مختلفة، وهذا شأن الأدب؛ الذهاب إلى عوالم لا يتوقعها القارئ ولا الكاتب نفسه، وإنما عليه الاستجابة للفكرة والانقياد للخيال.
لو عدتِ إلى كفى التي بدأت الكتابة للمرة الأولى، ما الحقيقة التي كنت تتمنين معرفتها عن الكتابة قبل أن تخوضي هذه الرحلة؟
أعتقد أن الكتابة ذاتها هي الحقيقة الوحيدة التي كنت أتمناها وأبحث عنها، ثم وجدتها وعرفت عوالمها. ومن خلالها اكتشفت من أنا، وماذا أريد، وإلى أين أسير، ومتى يجب أن أتغير، وكيف ينبغي أن أفكر، ثم ماذا عليّ أن أفعل؟
عملتِ في نادي أبها الأدبي سنوات؛ ماذا تقولين عن هذه التجربة؟ وكيف ترين الحراك الثقافي؟
أولًا، نادي أبها الأدبي، بما يضم من أسماء قديرة من الزملاء والزميلات، هو المتفضل عليّ باحتضان تجربتي القصصية، وذلك بطباعة عملي الأول «حالية اللبن». كما أثرى تجربتي في جوانب عديدة.
فالعمل في هذه المؤسسة العريقة، نادي أبها الأدبي، أو جمعية «أدبي أبها» كما يراد أن تسمى مستقبلًا، أسهم في إثراء تجربتي الأدبية من خلال التواصل المباشر مع الأدباء والنقاد في المؤتمرات والملتقيات والبرامج التي نفذها النادي، إلى جانب الاطلاع على الإصدارات المختلفة.
كما أتاحت لي التجربة فهم آليات العمل الثقافي ضمن فريق يحمل أفراده رؤى وأفكارًا وتطلعات مختلفة، ثم يعملون عليها بروح واحدة لإخراجها في قالب يصب في مصلحة المؤسسة والأديب والمنطقة.
ومن الجوانب المهمة أيضًا التكيف مع التحولات التي شهدتها المؤسسة والثقافة عمومًا في المملكة والاستفادة منها في الاستمرار والعطاء. وعلى سبيل المثال، كانت أزمة كورونا «كوفيد - 19» مرحلة صعبة اختبرنا فيها أنفسنا، سواء أعضاء مجلس الإدارة أو فريق العمل، في المحافظة على استمرار النشاط الثقافي وعدم تأثره بالحجر والعزلة.
وبالفعل، ابتُكرت مبادرة «الثقافة إلى بيتك»، التي عمل من خلالها النادي ولجانه على تقديم مناشط مختلفة بمشاركة عدد كبير من الأسماء المهمة في الوطن.
كما استفدت من تجارب نخبة مميزة من الأكاديميين والأدباء، سواء في مجلس الإدارة أو الجمعية العمومية أو من الزملاء في الإدارة؛ فكل واحد منهم يحمل تجربة ثرية في العمل الثقافي.
أما الحراك الثقافي، فإن اتساع رقعة الثقافة، وامتداد أنشطتها إلى خارج المؤسسات الأولى، واستحداث مؤسسات جديدة، كلها تحولات تهدف إلى الوصول إلى شريحة أكبر من المجتمع، بما يسهم في تقدم وطننا أدبيًا وثقافيًا ويخدم رؤية المملكة 2030.
وبالطبع، كأي مشروع حديث، هناك بعض السلبيات، ومن المؤكد أنها ستُعالج بما يحفظ للأدب مكانته الرفيعة، ويسمح بانتشار ثقافة متزنة وفاعلة.
في أبها، وخلال السنوات الأخيرة، عُرف عن كفى شغفها بالعمل الثقافي، ويبدو أن هذا الشغف قادها إلى تجربة متجر الكتب. حدثينا عن هذه التجربة، وماذا أضافت إليك؟
كانت تجربة جيدة إلى حد كبير، خضتها حبًا في تحدٍّ جديد يتعلق بالبيع والشراء في المجال الذي أهتم به، وهو الكتب، وكذلك للتعرف إلى جديد الإصدارات في الداخل والخارج، وانتقاء ما يرفد مكتبتي الخاصة.
وهناك سبب آخر لا يقل أهمية، وهو التعرف إلى شريحة أكبر من القراء، والتواصل معهم، واكتشاف طرائق جديدة لإيصال الكتاب من هنا إلى أي مكان.
لوحظ في الفترة الأخيرة غيابك عن وسائل التواصل الاجتماعي.. لماذا هذا الغياب؟
لم أغب. أنا أتابع بدقة جديد الأدب وقضاياه في الداخل والخارج. وربما كان عدم التدوين في «إكس» أو ندرته هو ما يوحي بغيابي، لكنني في الحقيقة نشطة في المتابعة باستمرار، وحاضرة في «فيسبوك» و«إنستغرام» متابعةً وكتابةً.
حدثينا عن مشروعك القادم، وما الذي يميزه عن أعمالك السابقة؟
مشاريع القاص كثيرة ومتنوعة؛ تبدأ بالقراءة ورفد التجربة، ثم متابعة جديد القصة القصيرة من خلال المؤتمرات والملتقيات والنشر.
أما المشروعات الخاصة، فالأفكار هي التي تقود إلى الإنجاز؛ عندما تحضر الفكرة ينبغي إنجازها.
والعمل الأميز، في اعتقادي، هو ما يصل إلى القارئ البسيط في الحقل، أو خلف المحراث، أو بين أغنامه أو نحله، فيشعر بأنه يعنيه. مثل هذه الأعمال هي الأميز والأبقى، والأكثر متعة للكاتب.
في مجموعتك القصصية «لاقية»، الصادرة حديثًا، طرقتِ مجال القصة المحكية في تجربة لافتة على المشهد الأدبي السعودي. حدثينا عن هذه التجربة، وما الذي قادك إلى خوض هذا المجال من القص؟
بدأت هذه التجربة قديمًا بنص يتيم بعنوان «علوة»، كان الأستاذ أحمد نيازي قد طلب مني كتابته والمشاركة به في «ملتقى أهل أبها» بنسخته الأولى، بين عامي 2011 و2012، والفضل يعود إليه في تنبيهي إلى قدرتي على خوض هذا اللون، والاستفادة من مخزوني اللغوي والثقافي المحلي.
وقد لقي النص أصداء واسعة؛ لكونه يخاطب عواطف شريحة مهمة من المجتمع، وهم كبار السن. ومن هنا جاءت فكرة تقديم عمل كامل، لكنني كنت حينها في المراحل الأولى من تكويني في كتابة القصة القصيرة، فأرجأت المشروع حتى أقطع خطوات في هذا الفن.