مغريًا ولامعًا، تلتقي شفرتاه عند نقطة وسطى هي بؤرته وقطب ارتكازه، والمكان الوحيد الساكن فيه، فيما تنتهي شفرتاه الحادتان بمقبضين من الإستانلس البراق، الموشى بربلات مطاطية ذات ألوان تكعيبية صارخة. يتحرك ببرودة وصمت القتلة.
وجدته أمامها فجأة، فهجست: «أوه.. من مشتريات أمي الجديدة».
انزلقت أناملها الناعمة الصغيرة في مقبضيه، وشعرت بفتنة جامحة تضاهي أحاديث الحياة والحب. تملكها شعور غريب تجاه هذا الشيء الذي يتحرك طوع أمرها بلا تلكؤ، ويستجيب لحركة يديها بخفة. راحت تجرب قبضه وتحريره، ولا يضارع نشوة هذا الشيء سوى هوسها القديم بتحطيم الألعاب الجديدة.
أمسكت جديلة شعرها المتدلية كأرجوحة الحبال فوق أوراكها الصغيرة المتكورة، وتسرب إليها شعور بالغواية تحت وطأة هذه الخطرات: «هذا الشيء الوحيد الذي يخصني. أسمعهم دائمًا يقولون: السيليكون ممنوع، الفيلر ممنوع، المساحيق التجميلية ممنوعة.. ممنوع، ممنوع، كل شيء ممنوع!».
أهمها الأمر؛ لا بد أن تتكسر هذه القواعد الصلبة والأطر الصارمة. متى ستكون لها تجاربها الخاصة ومغامراتها الحقيقية التي سترويها بحرارة الصدق ودفء العاطفة لصديقاتها؟
أطعمت جديلتها آلتها الحادة المغرية، وراحت تنظر إلى المرآة، مصغية بكل حواسها إلى صوت الشفرات. كانت تطبق أسنانها مع كل قبضة، وتنصت إلى الخصلات المجتزة وهي تصدر ذلك الفحيح. انفلتت خيوط سوداء، وترنحت في الهواء، ثم تساقطت رتيبة، تلون بورسلان الحمام وتغطي قدميها الصغيرتين.
أحست بوخزة في قدمها اليسرى، فنظرت إلى الأسفل، فرأت بشرتها الغضة تتجلى وسط لمعان خصلاتها المجزوزة السوداء، وحيويتها الكثيفة المتشبعة ريًا وحياة.
مرة أخرى، فكرت في ذلك الشعور المنعش اللاهي فور انتظام الصف الدراسي. ستكون حديث الفصل، وستثير اندهاش صديقاتها المعجبات بشعرها الطويل. سوف تخبرهن بتفاصيل ذلك الشعور: اتخاذ القرار المفاجئ، والتنفيذ المباغت، والجرأة، وعدم الندم، وقبل كل شيء، الخوف الذي مرغت أنفه بسرعة التنفيذ واستشعار اللذة.
بقي الفصل الأخير المقلق الذي ألجمته، ولم تمنحه حتى فرصة الظهور في هيئة خواطر أو خيال؛ ذلك الفصل الذي ستكتبه أمها حتمًا بأعلى نبرات الاحتجاج: «سوف تغضب، وليكن. سوف تهدد، وليكن. من الآن فصاعدًا لا بد أن أمهد لها بأنني أتمتع بحرية اتخاذ القرار».
خرجت من الحمام وهي تضحك بجنون هستيري، تتكئ على الجدران القريبة، وتسمح لحنجرتها بتمرير أعلى شهقاتها الضاحكة. اقترب منها ثلاث فتيات يكبرنها بأعوام متفاوتة، وولد يصغرها بعام واحد. بحثت وجوههم المتطلعة عن دواعي ضحكها المجنون، فلم يفهموا شيئًا، بدأوا يضربونها، وهي تدافع عن نفسها بقبضة رخوة أذابها الضحك.
فتحت الأم باب غرفتها عقب تلك الجلبة المعتادة، لكن قلبها، الذي أتقن لعبة القلق، لم يكن ليتركها تعقد هدنة مع التعب الذي بلغ أوج سطوته في تلك اللحظة.
أبصرت الأم بعيون قلبها المرهف ما لم يره الجميع، حين رمت شباك بصرها على شطآن شعر فتاتها الفاحم، الذي رعته على امتداد ستة أعوام، كانت تتباهى به بين زميلاتها في المدرسة المتوسطة التي تعمل فيها بالرياض، حتى تقرح لسانها من إسداء النصائح لهن عن كيفية العناية بشعر فلذات الأكباد. وطالما تحدثت إليهن وهي تريهن صورًا منتقاة لخصلات ابنتها البراقة اللامعة.
شهقت لذلك التعدي الرهيب واللامبالاة الفجة، ولغفلة أخواتها اللواتي لم يلاحظن ما حل بشعرها حتى الآن. وقبل أن تصرخ، أحست بدوار غريب، فغاصت في الأريكة القريبة، تقرع نفسها وتقضم شفتيها، وتتذكر اليوم والساعة، بل اللحظة التي اشترت فيها ذلك «المقص».
حينها لم تكن في حاجة إليه، لكنها رضخت في ذلك اليوم لفتنته السافرة، حين لاح لها في السوق مغريًا ولامعًا، تلتقي شفرتاه عند نقطة وسطى هي بؤرته وقطب ارتكازه، والمكان الوحيد الساكن فيه.
بهذه الصياغة أراها صالحة للنشر؛ فقد عولج غموض بعض التراكيب، وأصبح ورود «السيليكون والفيلر» منطقيًا نسبيًا بوصف الطفلة تردد ما تسمعه، كما استبدلت عبارة «غباء أخواتها المطبق» بـ«غفلة أخواتها» لأنها أنسب أدبيًا وأقل مباشرة، مع الإبقاء على خاتمة المقص التي تعيد القارئ إلى مطلع القصة.
** **
- عبدالرحمن موالف