يمرُّ العام الخامس على ذكرى وفاة أخي الغالي البروفيسور عبدالرزاق الحمد، أستاذ الطب النفسي، رحمه الله.
وما زالت تعاودني الذكرياتُ عذبةً صافيةً.. وهذه القصيدةُ من وحيِ تلك الذكريات:
فَدَتْكَ حياةٌ ما وَدَدنا زَوالَها
فصفها عيانا أن رأيتَ مآلَها
وقُلْ كلَّ ما تهوَى فإنك شاعرٌ
سبرتَ خَوافِيها وصُغت جمالَها
فقد أظهرت منكَ المعالي ضياءَهَا
كما خبّأت فيك المعاني ظِلالَها
فأنتَ الذي روّضتَ منها نفورَهَا
وأنت الذي أَلقيت فيها كَمالَها
ومثلُكَ لا يَخْفَى على الناس قَدْرُهُ
ولكنها الأيام تُخفي اعتدالَها
* * *
كأنك ما أمضيت عُمرا لِغايةٍ
تُداوي أَساها أو تُداري مَنالَها
ولا كنتَ ذا علمٍ تَفيض بحِملِهِ
كساريةٍ ألقت على الأرض فالَها
ولا كنت ذا جِدٍّ إذا الدُّهْم أقبلتْ
تُفرِّقُ أعتاها وتُطفي اشتعالَها
ولا كنتَ مِمزاحاً إذا الناسُ أَطرقتْ
تُهدِّئ من هذي الأحبة بالَها
ولا كنتَ كالأنسام هبَّتْ بليلةٍ
لتَغسِلَ من همِّ القلوب اعتلالَها
كأنك رُوحُ الصادِقِينَ بَدا لهَا
بأنْ تَرتقي، ما للحياة وما لَها
* * *
فقدتُكَ ما أدري أفقدُكَ ذاهبٌ
من النفس أم نفسي استخفَّتْ حِمالَها
يرانيَ أصحابي وما بيَ مُشتكىً
كما حَملتْ أرضٌ خِفافًا جِبالَها
على أملٍ لو كان في القلب حُرقةٌ
وهل تَمنحُ الآمالُ إلا ضَلالَها
ولولا بريقٌ في السحابِ لما دَرَى
شُداةُ الروابي أنْ ستُلقي ثِقالَها
* * *
رأيتُكَ والأيامُ فيها تقلُّبٌ
فكنتَ بها طودا منيعا حِيالَها
صبورٌ على ما تَستفيض همومُهَا
شكورٌ إذا ما أَسلمتك وِصالَها
أحقا مضتْ أيامُك العَذبُ طيفُهَا
فكيف وقد جُزْنا وميضا خِلالَها
فما لذةُ الماءِ الزُّلالِ على الظَّمَى
بأحلى من الذكرى تُناجي خَيالَها
مضيتَ بأندى الذكرياتِ وَضاءَةً
تَحوزُ مَغانيها وتُعلي دَلالَها
* * *
أتذكر إذ أشرقتَ في الناس هادِيًا
على شُرُفات العلم تُزجي مَقالَها
تغوصُ على دُرٍّ وتَسبحُ في ندىً
وتَجلو عقولا إذْ حللْتَ عِقالَها
مُهابٌ وللأيام فيك تَفاخرٌ
كأنكَ تُعطيها سَخيّا جَلالَها
رَزينٌ وللأذهان منكَ تَعجُّبٌ
ترى فيكَ دونَ العالمينَ اكتمالَها
رَحيمٌ تُلاقيكَ الضِّعافُ تَودُّدًا
لقد كنتَ منها أهلَها وعيالَها
كريمٌ تَرَى الأضيافُ فيكَ تَهلُّلًا
تنالُ به قبل السُّؤالِ سُؤالَها
حليمٌ كأنّ الحِلمَ فيكَ سجيَّةٌ
تُهوِّنُ من هَذِي النفوسِ كَلالَها
مضيتَ فما أدري؟ أَأَرْثي مكارمًا
ستَرثيكَ أنْ ما عُدْتَ تَحْوِي خِصالَها
* * *
رأيتُكَ تَعلو في الحياة ترفُّعًا
وقد كنتَ فيها شمسَها وهِلالَها
وإني لأرجو أنْ سَتَعلو مُنَعَّمًا
جِنانًا تَسامَتْ ما رأيتَ مثالَها
إذا اللهُ أعطاكَ الذي هُو أهلُهُ
فما لك في دنيا تُرجِّي نَوالَها
** **
- أ.د. ماجد الحمد