هناك لقاءاتٌ تأتيك عابرةً كأنها موعدٌ عادي في دفتر الأيام، ولقاءاتٌ أخرى تسبقها إلى القلب رهبةٌ جميلة؛ لأنك لا تذهب فيها إلى ملاقاة شخصٍ فحسب، وإنما تذهب إلى معانقة صورةٍ استقرت طويلًا في ذهنك، واسمٍ كان يمرّ عليك في الكتب والبحوث والمجالس العلمية، حتى غدا جزءًا تتشكل منه ذاكرتك الثقافية.
ولقد كان لقائي الأول بأستاذنا الدكتور محمد بن عبدالرحمن الرُبيّع من النوع الثاني.
كنت أعرفه قبل أن ألقاه من أثره العلمي، ومن اسمه الذي اقترن بالأدب والنقد والبحث، ومن مكانته الأكاديمية التي جعلت الالتقاء به، في مرحلة من مراحل العمر، يبدو أقرب إلى حلمٍ مؤجل منه إلى موعدٍ ممكن.
وحين وقع اللقاء، كانت المفاجأة الأولى أن الرجل الذي كنت أتصوره من خلال قامته العلمية كان، في حضوره الإنساني، أبعد ما يكون عن تلك المسافة التي قد تصنعها الشهرة العلمية بين صاحبها والآخرين.
لقد وجدت أمامي قامةً علميةً لا تستظل بعلوها، ولا تتكئ على مكانتها.
وهذه، في ظني، إحدى أندر خصال العلماء؛ فالعلم حين يستقر في نفسٍ كبيرة قد يجعل صاحبه أكثر تواضعًا؛ لأنه يكشف له اتساع ما يجهل، ويعلّمه أن الحقيقة أكبر من أن يمتلكها فرد، وأن الإنسان مهما بلغ في المعرفة يظل تلميذًا في مدرسةٍ لا تنتهي.
ولقد رأيت في الدكتور الرُبيّع هذا المعنى متجسدًا في سلوكه قبل حديثه.
هو قامةٌ لا تعيش في برجٍ عاجي، ولا تصنع حول علمها سياجًا من الهيبة المصطنعة؛ بل ينزل إلى جليسه كما لو أن المعرفة بينهما جسرٌ لا منصة، وحوارٌ لا محاضرة.
ولقد تحقق لكاتب هذا المقال فوق ما كان يتمنى؛ فلم يقتصر الأمر على مجرد اللقاء به، بل تقلّد وسام مصاحبته سفرًا في محطاتٍ متعددة، فتجلّى له من صور شخصيته المدهشة ما لا يمكن استقصاؤه في مقالٍ عابر. ومن ذلك أنه شديد التفقد لجليسه؛ فهو يُشعرك، وأنت تجالسه، بأنه لا يكتفي بأن يكون حاضرًا بجسده، بل يحاول أن يكون حاضرًا معك بكل جوارحه.
يلتفت إلى محدثه، ويتابع حديثه بعناية، ويمنحه من الاهتمام ما يجعله ينسى، للحظات، الفارق بين الألقاب والمواقع والأعمار والتجارب.
وهنا تظهر أخلاق العالم أكثر مما تظهر ثقافته؛ فمن أخصب ما رأيت فيه حُسن الإنصات؛ ذلك الإنصات الذي لا يكون مجرد أدب اجتماعي، وإنما يتحول إلى قيمة إنسانية رفيعة.
يستمع إلى محدثه مهما كان علمه، ومهما كانت مكانته، ومهما كان منصبه، وكأن كل إنسان أمامه يحمل شيئًا يستحق أن يُسمع.
وقد يُخيّل إليك أحيانًا أنه يسمع منك معلومةً جديدة، مع أنك تعلم - أو تكاد تعلم - أنه يعرفها قبل أن تخطر لك، وربما قبل أن تُولد أنت أصلًا.
لكنه لا يقطع عليك لذة الاكتشاف، ولا يستعرض عليك سبق المعرفة، ولا يرفع بينك وبينه جدارًا يقول: «أنا أعرف وأنت لا تعرف»؛ بل يترك لك متعة أن تقول، وهذا ليس من حسن الأدب فحسب؛ إنه الغاية القصوى في الأدب!
فكم من عالمٍ أفسدت معرفته عليه فضيلة الاستماع، وكم من مثقفٍ ضاقت نفسه عن معلومةٍ تأتيه من غيره، وكم من صاحب مكانةٍ جعلته مكانته لا يرى في حديث الآخرين إلا تكرارًا لما يعرف!
أما الدكتور الرُبيّع، فتبدو معرفته - على سعتها - وكأنها تزيده قدرةً على الإصغاء، لا رغبةً في المقاطعة.
لعل هذه الخصلة تحديدًا هي التي تمنح مُجالسه تلك الألفة النادرة؛ فأنت لا تجلس أمام أستاذٍ كبير بالمعنى الذي قد يثقل اللقاء، وإنما تجلس أمام إنسانٍ كبير، والإنسان الكبير هو الذي يجعل من أمامه كبيرًا أيضًا.
الرُبيّع الإنسان يحمل روحًا دمثةً جدًّا، تمثل بُعدًا آخر من شخصيته المؤثرة؛ ففي ابتسامته شيء لا يشبه المجاملة العابرة؛ ابتسامةٌ هادئة لطيفة تفتح للحديث نافذةً من الطمأنينة.
وفي حديثه عذوبةٌ تجعل الجلسة تمضي دون أن تشعر بمرور الوقت؛ فلا تكلّف في عبارته، ولا استعلاء في نبرته، ولا رغبة في احتكار المشهد وتأطير الصورة في حدود ذاته حصرًا.
إنه من أولئك الذين لا تحتاج معهم إلى أن تهيئ نفسك للحديث؛ لأن لطفهم يهيئ لك الكلام قبل أن تتكلم.
ولذلك فإن لذة الحديث معه لا تأتي من ثراء الموضوعات التي يمكن أن تتحدث فيها معه فحسب، وإنما تأتي أيضًا من الطريقة التي يجعلك بها شريكًا في الحديث.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في شخصيته؛ فكلما شعرت بعظمة قامته العلمية، وجدته أقرب إليك؛ وكلما أدركت سعة معرفته، ازداد تواضعه في عينيك؛ وكلما ظننت أن الفارق بينك وبينه سيصنع حرجًا، فوجئت بأنه يزيل الفارق بابتسامةٍ، أو إنصاتٍ، أو سؤالٍ صادق.
لقد خرجت من لقائي الأول به، قبل سنوات، وأنا أراجع في داخلي صورة العالم كما كنت أعرفها.
اكتشفت أن بعض العلماء لا تكمن عظمتهم فيما كتبوا فقط، ولا في المناصب التي تقلدوها، ولا في الألقاب التي تسبق أسماءهم، وإنما في الأثر الذي يتركونه في نفوس من يجالسونهم.
الدكتور الرُبيّع واحدٌ من أولئك الذين يزداد قدرهم حين تقترب منهم؛ فقد تراه أول الأمر من خلال اسمه ومكانته العلمية، ثم تراه بعد اللقاء من خلال إنسانيته؛ وحينها تكتشف أن العلم الحقيقي لا يرفع صاحبه فوق الناس، بل يرفعه إلى الناس.
وهكذا ظلّ في ذاكرتي من حينها إلى اليوم: دهشةً لم تنطفئ، وحلمًا تحقق بصورةٍ أجمل مما تخيلت.
كنت حينها أظن أنني ذاهبٌ لألتقي قامةً علميةً كبيرة، فإذا بي ألتقي إنسانًا كبيرًا بعلمه، وأكبر بأخلاقه، وأجمل بتواضعه.
وهذه - في نهاية الأمر - هي القامة التي لا تحتاج إلى أن ترتفع؛ لأنها، من فرط تواضعها، تترك ظلًّا ممدودًا ينعم به كلُّ من مرّ عليه.
** **
- ماجد بن محمد الجهني