الثقافية - كمال الداية:
نظمت أمانة منطقة الرياض، بالتعاون مع مركز سرد الثقافي وديوانية آل حسين التاريخية، محاضرة علمية بعنوان «منفوحة تبحث عن اسمها القديم»، قدمها رائد تحقيق الشعر العربي أ.د. عبدالعزيز بن محمد بن عبدالله الفيصل، بحضور عدد من الأكاديميين والمثقفين والأدباء، ومدير عام الثقافة في أمانة منطقة الرياض الأستاذ عبدالله الشمري.
وقدم المحاضرة الدكتور أحمد بن حسن الشهري، الأكاديمي والكاتب والباحث في العلاقات الدولية، الذي رحب بالضيف والحضور، قبل أن يستعرض الدكتور الفيصل تاريخ منفوحة، وصلتها بشاعرها الأشهر الأعشى، متتبعًا حضورها في الشعر وكتب التراث والمصادر الجغرافية والتاريخية، وباحثًا في اسمها القديم قبل أن تعرف باسم «منفوحة».
واستهل الفيصل حديثه بالتأكيد على الصلة الوثيقة بين منفوحة وشاعرها الأعشى، قائلًا: «اقترنت منفوحة بشاعرها الأعشى، فلا تذكر منفوحة إلا ويذكر الأعشى»، مشيرًا إلى تواتر الأخبار عن إقامة الشاعر فيها ووفاته ووجود قبره بها، وهو ما جعل زيارة بلد الأعشى والوقوف على بيته وقبره مطلبًا للمهتمين بالتاريخ والشعر والآثار.
واستعاد الفيصل ذكرياته مع منفوحة، موضحًا أنه زارها للمرة الأولى حين كان سورها لا يزال قائمًا، وأنه انطلق إليها من الرياض مشيًا على الأقدام، وكانت «ظهرة منفوحة» تفصل بين سور دهام وسور منفوحة.
وقال: إنه ظل يزور البلدة على مدى سنوات متقاربة، وإن البرج الباقي من سورها في الناحية الجنوبية لفت نظره قبل نحو ثلاثين عامًا، إذ كان يشخص أمام العابر في الطريق الدائري الجنوبي بالرياض بوصفه شاهدًا على زمن مختلف، بعدما اختفى السور الطيني ومعظم البيوت القديمة التي كانت تحيط به.
واستحضر الفيصل، في تصوير أدبي، التحولات التي مرت بها منفوحة، وانتقالها من بلدة هادئة تسمع فيها أصوات الناس والحيوانات والسواني ومجالس السمر، إلى جزء من مدينة حديثة تعج بالسيارات والجسور والأنوار، متوقفًا عند قبر الأعشى الذي ظل زمنًا طويلًا أحد معالم البلدة.
وأشار إلى أن قبر الأعشى كان كومة من التراب ممتدة، وأن منفوحة احتضنته منذ العصر الجاهلي، مستعيدًا ما ارتبط بالشاعر من أخبار وأساطير أدبية، ومنها «مسحل السكران ابن جندل»، الذي تذكره الروايات بوصفه شيطان الأعشى، مستشهدًا بقول الشاعر:
شريكان فيما بيننا من هوادة
صفيان جني وإنس موفق
وتناول الفيصل حياة الأعشى وكثرة أسفاره، موضحًا أنه كان شاعرًا جوالًا يقطع المسافات بين اليمن والعراق والشام وغيرها، مادحًا الملوك والأمراء ورؤساء القبائل، ثم يعود إلى منفوحة بما حصله من جوائز وعطايا.
ولفت إلى الموقع الجغرافي المميز لمنفوحة، التي تربعت في منطقة تتصل بوادي الوتر «البطحاء» من الناحية الشرقية، وتستقبل مياه عدد من الأودية من الناحية الغربية، ومنها نمار وبطن الخال ووادي حنيفة، مستشهدًا بقول الأعشى:
قالوا نمار فبطن الخال جادهما
فالعسجدية فالأبلاء فالرجل
وأوضح أن منفوحة كانت إحدى قرى اليمامة القديمة، وأن الرياض زحفت إليها في العصر الحديث حتى احتضنتها، غير أن بعض معالمها القديمة ظل شاهدًا على تاريخها ومكانة شاعرها الكبير، صاحب المعلقة الشهيرة:
ودع هريرة إن الركب مرتحل
وهل تطيق وداعًا أيها الرجل
وتوقف الفيصل عند الروايات التاريخية التي توثق قبر الأعشى وبيته في منفوحة، مستشهدًا بما أورده أبو الفرج الأصفهاني في «الأغاني» من خبر أحد الولاة الذي مر بمنفوحة وسأل أهلها عن منزل الأعشى وقبره، فأشاروا إليهما، بما يؤكد حضور المكان في الذاكرة التاريخية.
وقال الفيصل:«إن قرية منفوحة جديرة بالترميم وإبقائها قرية سياحية؛ فما زالت أطلالها تشهد بعمقها التاريخي»، مؤكدًا أن الأعشى هو الذي أذاع اسم منفوحة في الآفاق، وأنه فضل الإقامة فيها على غيرها، رغم ما شاهده في رحلاته من مدن وأنهار وبلدان.
وأضاف أن الأعشى لم يكن رجلًا محدود المعرفة بما حوله، بل كان كثير الأسفار، خبر البلاد وأهلها، فرحل إلى اليمن وطاف بأرجائها، وقصد العراق ومدنه وأنهاره، ووصل إلى الشام، وخالط الملوك ورأى مجالسهم، وهو ما توثقه أشعاره.
وتطرق إلى رحلة الأعشى إلى قيس بن معد يكرب في اليمن، الذي حظي بنصيب كبير من شعره، مستشهدًا بقوله:
تيممت قيسًا وكم دونه
من الأرض من مهمه ذي شزن
وأوضح أن قيسًا كان رأس أسرة ذات شأن في الجاهلية، امتد حضورها إلى العصر الإسلامي من خلال ابنه الأشعث بن قيس وأحفاده، وأن الأعشى مدح قيسًا بقصائد عديدة تمثل مساحة مهمة من شعره المدون.
كما قصد الأعشى آل جفنة في الشام، وهم من الأسر المعروفة بالجود والكرم والشجاعة، ومدحهم في شعره ، ومن ذلك قوله:
إليك ابن جفنة عن شقة
دأبت السرى وحسرت القلوصا
ولم تقتصر رحلاته على الغساسنة، بل قصد المناذرة في الحيرة، حيث كان بلاطهم مقصدًا للشعراء والوافدين، وخاطب النعمان بن المنذر بقوله:
إليك أبيت اللعن كان كلالها
إلى الماجد الفرع الجواد المحمد
وعلى الرغم من تلك الرحلات، بقيت منفوحة المكان الذي يشد الأعشى إليه، فلم تغره المدن والأنهار بالإقامة بعيدًا عنها، فعاد إليها واستقر فيها في شيخوخته، وظل يستعيد ذكرياته وأسفاره في شعره، قائلًا:
وقد طفت للمال آفاقه
عمان فحمص فأوريشليم
أتيت النجاشي في أرضه
وأرض النبيط وأرض العجم
وانتقل الفيصل إلى تتبع اسم منفوحة في المصادر القديمة، موضحًا أنه ورد في شعر الأعشى نفسه، ومن ذلك قصيدته في المنافرة التي جرت بين علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل:
شاقتك من قتلة أطلالها
بالشط فالوتر إلى حاجر
فركن مهراس إلى مارد
فقاع منفوحة ذي الحائر
كما ورد اسم منفوحة في عدد من المصادر الجغرافية والتاريخية، ومنها ما أورده الهمداني في حديثه عن ديار بكر، وما ذكره الحسن بن عبدالله الأصفهاني عن سبب التسمية، إضافة إلى ورودها عند أبي عبيد البكري الأندلسي في كتاب «معجم ما استعجم»، وعند ياقوت الحموي.
وتوقف الفيصل مطولًا عند رواية ياقوت الحموي بشأن نزول بني حنيفة اليمامة، موضحًا أن الرواية تشير إلى قدم الاستيطان في المنطقة، وأن منفوحة كانت قرية عامرة قبل الإسلام بزمن.
وأشار إلى أن ياقوت ذكر في رسم «منفوحة» أنها قرية مشهورة من نواحي اليمامة، كان يسكنها الأعشى وبها قبره، وربط اسمها بمعاني «النفح»، سواء أكان نفح الطيب وفوحانه، أم النفحة بمعنى العطاء والهبة.
وأوضح الفيصل أن الروايات تربط التسمية كذلك بعبيد بن ثعلبة، الذي نزل حجرًا، ثم أنزل جماعة من قومه في القرية، وقيل: إنه «نفحهم» إياها، أي أعطاهم إياها، فسميت منفوحة.
ومن هنا طرح الفيصل السؤال الرئيس الذي حملته المحاضرة: إذا كانت القرية قد عرفت باسم منفوحة بعد هذه المرحلة، فما الاسم الذي كانت تحمله قبل ذلك، في الأزمنة الأقدم، ولا سيما في عصور العماليق وعنزة وطسم وجديس؟
وقال: «هذا اسم منفوحة بعد أن نفحها عبيد لبعض بطون حنيفة، وعبيد يسميها القرية، وكانت نخيلها مشاهدة. فما اسمها قبل أن تشتهر بمنفوحة، في زمن العماليق وعنزة وطسم وجديس؟ إنه سؤال يحتاج إلى جواب، فلعلنا في المستقبل نعثر على اسم منفوحة قبل أن تحمل هذا الاسم المعروف».
كما تناول الفيصل سكان منفوحة في مراحلها التاريخية، مشيرًا إلى أن بني حنيفة كانوا من سكانها بعد أن حملت هذا الاسم، في حين يذكر ابن فضل الله العمري، المتوفى سنة 749هـ، أن سكان منفوحة في القرن الثامن الهجري كانوا من بني يزيد من عائذ من سعد العشيرة.
واستعرض المحاضر جانبًا من الحياة الاجتماعية في منفوحة في عصر الأعشى، مشيرًا إلى أن التاريخ حفظ أسماء عدد من بيوت علية القوم وقصورهم، ومنها قصر قيس بن حسان بن ثعلبة بن عمرو بن مرثد، وقصر بشر بن عمرو بن مرثد، إضافة إلى بيت الأعشى.
وأوضح أن بيت الأعشى كان يتميز بردهة أمامه يجلس فيها، ويستقبل من يرغب في سماع أخباره ورحلاته، وأن هذه الردهة شهدت مجالس السمر والغناء، وكان الشاعر يتحدث فيها عن رحلاته إلى أورشليم ونجران واليمن وغيرها، وينشد شيئًا من شعره.
كما تناول شهرة آل مرثد بالثراء وامتلاك القصور والجواري المغنيات، ومنهن هريرة، أمة بشر بن عمرو بن مرثد، التي خلدها الأعشى في مطلع معلقته الشهيرة «ودع هريرة»، إلى جانب عدد من المغنيات والمغنين الذين ارتبطت أسماؤهم بالحياة الاجتماعية والفنية في منفوحة.
وأكد الفيصل أن الحياة الاجتماعية في منفوحة شهدت قدرًا من الازدهار، غير أن البلدة لم تكن في منزلة حجر، عاصمة اليمامة القديمة، ولم تنافس «جو» مقر ملك اليمامة في العصر الجاهلي، لكنها ظلت واحدة من أشهر بلدات المنطقة.
واختتم الفيصل محاضرته بالتأكيد على القيمة التاريخية والثقافية لمنفوحة، وما تختزنه من شواهد ترتبط بتاريخ اليمامة والشعر العربي والأعشى على وجه الخصوص، مشددًا على أهمية العناية بما تبقى من معالمها وترميمها والمحافظة عليها واستثمار عمقها التاريخي والثقافي.
وقال: إن منفوحة، وإن فقدت كثيرًا من ملامحها القديمة بفعل التوسع العمراني، فإن ما بقي من أطلالها وأبراجها وذاكرتها الأدبية والتاريخية يجعلها جديرة بأن تبقى حاضرة في ذاكرة الرياض، وأن يعاد تقديمها بوصفها قرية تاريخية وسياحية تحفظ للأجيال قصة المكان وشاعرها الذي حمل اسمها إلى الآفاق.
وقد حظيت المحاضرة بحضور كبير ونوعي من الأكاديميين والمثقفين والأدباء، إلى جانب عدد من المهتمين بالتاريخ والتراث، كما حضرها مدير عام الثقافة في أمانة منطقة الرياض الأستاذ عبدالله الشمري.