كما أن لكل منا ركنًا مخصصًا في منزله يأوي إليه، فيشعر معه بالسكينة والراحة والاسترخاء بين الحين والآخر، فيمارس هوايةً يحبها، أو يطلق لنفسه العنان بالبوح والتعبير عما يجول في خلده، فيكتب مقالًا، أو يقرض أبياتًا من الشعر، أو غير ذلك، فإن لكل منا كذلك محطاتٍ قلبيةً ذهنيةً تخلد إليها ذاكرتنا، وينعم بها وجداننا، وتتفسح في أرجائها نفوسنا، فتستظل في أفيائها، وتستزيد من نسمات مودتها، حتى يبدو أثر تلك الرحلة النفسية نضرةً على ملامحنا، وعلوَّ همةٍ في نفوسنا، وإشراقةً تعلو محيّانا، فيزول معها كثير من عناء الحياة وضغوطها، وتهون علينا كثير من مشقات الدنيا وأعبائها، وكأنها فسحة تتخلل يومًا دراسيًا مكتظًا بالواجبات والالتزامات والتقيد بالنظام.
نعم، أراها محطاتٍ آمنةً في قلوبنا وذاكرتنا، نأوي إليها كلما ضاق بنا حالٌ، أو ناءت بنا أحمالٌ ثقال، نتنقل بين محطة وأخرى؛ فقد تكون تلك المحطات أحداثًا مميزةً مرت بنا، كأن نسترجع ذكرى جميلةً في نفوسنا فنسعد بها، أو نتذكر نجاحًا قد حققناه فتعود لذة ذلك الشعور الذي عشناه وقتئذٍ، أو تنقلنا الذاكرة إلى أسماء أشخاص مروا في طريقنا، فكان لهم طيب الأثر على مدى العمر؛ أشخاص استطاعوا أن يغيروا مسار حياتنا، ويطوروا مهاراتنا نحو الأفضل، فكانوا مرحلةً مفصليةً في رحلة حياتنا، نعمنا بصحبتهم، واكتشفنا أنفسنا برفقتهم، وعرفنا قيمة ما لدينا من مواهب ونقاط قوة ما كان لنا أن نستكشفها لولا لفتاتهم المحبة وبصماتهم الخاصة.
أكاد أجزم أن الموفق هو من رُزق في حياته بصحبة شخصٍ ملهمٍ محفزٍ مخلص، لمح فينا بذور موهبة، أو ملامح إبداع ونبوغ، فتعهدنا طوعًا ومبادرةً، ووجّهنا فأحسن توجيهنا، وأخلص في رعاية موهبتنا، فكان الداعم الدائم، والصديق الصدوق، والمجيب وقت لهفتنا، والملبّي وقت حاجتنا.
وفي زحام الحياة وأعبائها نمضي، وقد ينسى أحدنا أولئك الذين كانوا -بعد الله تعالى- سببًا في نجاحنا، ودافعًا لنا إلى مواصلة السير، ومحفزًا لمزيد من النجاحات والإنجازات.
لكن الكرام لا ينسون أبدًا من كان لهم عونًا في وقت الشدة، ومدّ لهم يدًا حين قُبضت أيادٍ كثيرة، بل تظل أسماؤهم محفوظةً في القلب قبل العقل، محفوفةً بالود والعرفان، مصونةً في أغلى مقام، وتُبث لهم الدعوات الصادقة على وقفاتهم العالقة في ثنايا الذاكرة وطيات القلب.
** **
ردينة إدريس - ماجستير في الأدب والبلاغة من جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن.