كنتُ أسير بمعاملة تقاعدي جذلًا مسرورًا، وكأنني سأزيح عن كاهلي تعب مسيرة امتدت تسعةً وعشرين عامًا من الجهد والعمل والعطاء. ولكن، لما صدر قرار التقاعد، غابت تلك الابتسامة، وهدأت تلك النشوة، وعدت فورًا -كعادتي- إلى أضابيري وأوراقي، وأبى القلم إلا أن يبوح بهذه القصيدة:
تسعٌ وعشرون.. هل ما زلتَ محتارًا
تقلّبُ الطرفَ فيمن ظلَّ أو سارا
تخطو.. كأنك للجنات متجهٌ
وتنأى مخافةَ أن تستقبلَ النارا
ما بين إقرار رأيٍ أو تسلله
ما زلتَ مرتبكا لا تأمن ( الفارا )
فخذ قرارك.. لا تعبأ بمن وقفوا
حيرى.. يظنون في الإقدام أخطارا
إن الذي قد حمى «ثورًا» برحمته
هيهات هيهات ألّا يحميَ «الغارا»
تسعٌ وعشرون.. ما مرّت مسالمةً
بل طوّحت بيَ إعصارًا فإعصارا
ما إن نشرتُ ثياب الأمس مدّكرًا
حتى تهاطلتِ الأحداث مدرارا
مستبسلًا كنتُ والتيار يعصف بي
أنّى توجهتُ إقبالًا وإدبارا
حاولت أن أتفادى كل فادحةٍ
وأن أشيحَ كأني لا أرى عارا
فهل أُلامُ.. وما أعلنتُ تعبئةً
عجلى، وجهزتُ جيش الشعر مختارا؟
يا ليتني حينما استنهضتُ قافيتي
إلى منازلةٍ نازلتُ أحرارا
وليتني حينما هاجرتُ ملتمسًا
قلبًا ألوذ به لاقيتُ أنصارا
ما ارتاب قلبيَ في أمر كريبته
ألّا يميّز أشرارًا وأخيارا
فربما قلتُ: ربِّ اغفر لمن سبقوا
وربما: لا تذر للظلم ديارا
حسبُ التقاعد حسبي فيه خاتمةً
أني وضعتُ به للحرب أوزارا
فاليوم أشرب نخب النصر مكتفيًا
بأن أموسقَ للسارين أشعارا
واليوم أخفق مسرورًا بأجنحتي
ولا أحاذر في التحليق أسوارا
وسوف أنزع عن عينيَّ أقنعةً
كانت على شرفة التمويه أستارا
تسعٌ وعشرون.. والأحباب ما فتئوا
هم الأحبة، زان الدهر أو جارا
كم أمطروني إكرامًا بقربهمُ
وأكرموني عند البعد إمطارا
وقاسموني لحظاتي.. فما تركوا
لي عنهم في أقاصي الروح أسرارا
بهم ولا غير.. كم زاحمتُ مفتخرًا
مواقعَ النجم إجلالًا وإكبارا
يا ليتني حينما أزمعتُ مرتحلًا
واساقط الدمع من عينيَّ غدارا
إمّا تراجعتُ عن رأيي طواعيةً
أو رافقوني عند السير إجبارا
تسعٌ وعشرون -يا لله- كيف غدت
من بعد ثورتها البلهاء آثارا
سلِ المرابع في أحلى توهجها
إذ كنَّ كنَّ، وقد أصبحن أخبارا
لم أنسَ محبرةَ الطبشور.. كيف بدت
آثار ألوانها في الكف أقمارا
صداقتي -دفترَ التحضير- وافيةٌ
ما احتجتُ في عهده الميمون أفكارا
مناوباتي دوراتٌ مكثفةٌ
فلا غرابة لو أصبحتُ طيارا
يا للبدايات كم عانيتُ غربتها
فكلما هاجمتْ دافعتُ إصرارا
هيهات أسعى إلى إخفائها هربًا
من مرّها.. وأنا أسطيع إظهارا
سددتُ كل التزاماتٍ عليَّ.. فمن
يُرِدْ سدادي فقد يحتاج إعسارا
** **
حمد بن محمد بن فهد العمار - الجبيل الصناعية