الثقافية - علي بن سعد القحطاني:
بين دهاليز السياسة وتقلّبات الدبلوماسية وأسئلة الفكر والروح، يتحدث وزير الدولة معالي الدكتور نزار عبيد مدني لـ«الثقافية» عن رحلةٍ امتدت من أزقة المدينة المنورة إلى عواصم القرار الدولي، كاشفًا ملامح تجربةٍ عايشت التحولات الكبرى في المنطقة والعالم. وفي هذا الحوار، يستعيد مدني ذكريات القاهرة في زمن المدّ الناصري، ويتأمل تحولات النظام الدولي، والعلاقة بين القوة والسيادة، إلى جانب رؤيته للإنسان والطمأنينة والقدر في خضم العمل السياسي والدبلوماسي.
ويتناول اللقاء علاقته بالأمير الراحل سعود الفيصل، والجوانب الإنسانية في شخصيته القيادية، إضافة إلى حديثه عن مروءات أهل المدينة المنورة، وتجربته مع التدبر القرآني في كتابه «ليدبروا: قبيسات من الإعجاز القرآني»، ورؤيته لكيفية الحفاظ على التوازن النفسي وسط ضغوط السياسة والأزمات الدولية.
التحول
* تصفون محطة القاهرة بمرحلة (التحول)، حيث زاملتم شخصيات مثل وليد المعلم وبطرس غالي.. كيف شكلت تلك الحقبة الناصرية المليئة بالكاريزما والمتناقضات رؤيتكم المبكرة للدبلوماسية السعودية وما الذي تبقى في ذاكرتكم من حوار (نزار الوزير) مع (نزار الطالب) أمام شقة الدراسة القديمة؟
- لقد أطلقت على المرحلة التي درست فيها الدراسة الجامعية في القاهرة في النصف الأول من ستينيات القرن الماضي مسمّى (التحول) لأنها شهدت تحولي من تلميذ ثانوي إلى طالب جامعي، ومن صبي مراهق إلى فتى يافع في مقتبل الشباب، ومن العيش في كنف الوطن ودفئه وأمنه وأمانه إلى العيش في خارج الوطن بكل ما يحمله من مصاعب وتحديات، ومن اعتماد مطلق على الأسرة وعدم الشعور بالمسؤولية إلى نوع من الاستقلالية المحدودة والاعتماد التدريجي على الذات.
عشت في مرحلة التحول هذه في خضم أحداث كثيرة ومثيرة تفاعلت مع مجرياتها وتداعياتها باهتمام كبير، وتابعت تطوراتها يوماً بيوم، وساعة بساعة، وكانت بلادنا في تلك المرحلة -كما يقولون- في عين العاصفة، وفي قلب كل تلك الأحداث -وربما قدرها أن تكون كذلك في كل زمان ومكان- وأنت على حق حينما تساءلت كيف شكلت تلك الحقبة المليئة بالكاريزما والمتناقضات والحافلة بالأحداث والتطورات رؤيتي المبكرة للسياسة والدبلوماسية السعودية، لأن تلك المرحلة رسخت بالفعل في نفسي اليقين الثابت، وأرست اللبنات الأولى للحقائق الخمس التي تأكدت لي بعد ممارستي الفعلية للعمل السياسي والدبلوماسي، وتعرفي عن كثب على الثوابت الأساسية التي تحكم التوجهات الأساسية لسياستنا الخارجية، والتي أخذت تتأكد وتترسخ بمرور الزمن منذ ذلك الحين، وهي:
أولاً: على الرغم من جميع التحديات التي واجهت المملكة العربية السعودية، وجميع المخاطر التي تعرضت لها، إلا أنها صمدت وشمخت، في حين عصفت الرياح بجميع من تحدوها أو عادوها، أو اضمروا لها سوءاً وشراً.
ثانياً: أن المملكة العربية السعودية دولة حازمة، ولكنها حصيفة في قراراتها، وهي من تختار الوقت والمكان والرد المناسب في الحرب والسلم، أي أن من يحاول أن يجرها إلى ملعبه لا بد أن يعرف أنه يعبث في ساحة الكبار، وأن القرار يصدر من الرياض، وليس من أي عاصمة أخرى.
ثالثاً: ليس من عادات المملكة، ولا من أساليبها أن تكيل بمكيالين، أو أن تتحدث وتخاطب بلسانين، فسياستها ثابتة الأركان، وخطابها واضح للعيان.
رابعاً: أن المملكة العربية السعودية دائماً ما تكون هي آخر من يغضب، وأول من يصفح.
خامساً: أن المملكة العربية السعودية دائماً ما تكون أصفى من العسل لكل من يصادقها ويريد بها خيراً، وأمرّ من العلقم لكل من يعاديها ويضمر لها سوءًا أو شراً.
أما بالنسبة للحوار الذي دار بين (الوزير) و(الطالب) أمام شقة الدراسة القديمة بالقاهرة فقد كان حواراً افتراضياً وهمياً الغرض منه تقديم نصائح وإرشادات للأولاد والأحفاد ليستفيدوا منها في حياتهم العملية المستقبلية، والغرض الثاني هو الربط بين الحاضر والماضي بطريقة تصويرية وأسلوب متخيل ، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من عبر وعظات، ولعله كان حواراً مشوِّقاً ومثمراً حقق الغرضين المشار إليهما.
الصدفة
* ذكرتم في سيرتكم أن انقطاع البعثات عن القسم الأدبي كان سبباً في دراستكم على حساب والدكم الخاص... كيف تعاملتم مع فكرة (الاستخارة) في المنعطفات القدرية التي أنقذتكم من العمل البنكي لتقذف بكم في أتون السياسة الدولية؟ وهل تعتقدون أن (الصدفة) هي لاعب خفي في العمل الدبلوماسي؟
- منذ بداية حياتي العملية توصلت إلى اقتناع تام ومطلق بأن الواجب على الإنسان أن يسعى ويجتهد ويستنفد جميع الوسائل والسبل المشروعة الممكنة لتحقيق الهدف الذي يسعى إليه، بل أن يكافح ويجاهد من أجل تحقيق هذا الهدف بكل ما أُوتي من قوة وعزيمة وإرادة، وأن يضع بعد ذلك كله ثقته في الله سبحانه وتعالى، وهو جلّ جلاله لن يخيب ظنه، ولن يتخلى عنه، وسيختار له ما فيه الخير والصلاح إن حَسُنَتْ نيته، وسَلِمَتْ مقاصده من الأذى أو الإضرار بالناس، وما قد يبدو له في مرحلة من المراحل شراً مستطيراً أو ضرراً بالغاً، فإنه سوف يجد فيما بعد أنه كان له فيه الخير كل الخير.
منذ ذلك الحين كانت (الاستخارة) والتوكل، والتسليم بقضاء الله وقدره، والإيمان العميق المطلق بقوله تعالى «وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»، هو عقيدتي التي أتمسك بها، ومبدئي الذي لا أحيد عنه.
أما بالنسبة لسؤالكم عمَّا إذا كانت (الصدفة) هي لاعباً خفياً في العمل الدبلوماسي، فإنني أقول إن هناك حقيقة واحدة لا مناص من التسليم بها مفادها أننا مهما خططنا لحياتنا أو اتخذنا من قرارات بشأن مستقبلنا فإننا نبقى في النهاية محكومين بما قدَّر الله لنا. هذه الحقيقة رَسَّخت اعتقادي الجازم طيلة حياتي أن كل نجاح يمكن أن يحققه الإنسان، وكل إنجاز يمكن أن يحرزه لا يكفي أن ينسبه إلى كفاءة ذاتية أو صفات شخصية أو تميّز فردي أو إلى (صدفة)، بل إلى إيمانه المطلق بأن إرادة الله سبحانه وتعالى هي التي مَنَّتْ عليه بذلك النجاح، وهي التي مَهَّدت له سبيل ذلك الإنجاز، وهنا فإنني أعجب كل العجب من الذين يعتقدون أنهم حققوا ما حققوه وأحرزوا ما أحرزوه (على علم عندهم) أو (إلى صدفة مرت بهم)، ومن الذين يتوهمون أنهم (يخططون) للوصول إلى هذا المنصب أو ذاك، أو تحقيق هذا الإنجاز أو ذاك، ولا يدرون أن كل (ما يخططون) له قد يتغير في طرفة عين إذا أراد الله ذلك وقَدَّرَهُ، ولقد مَرَّتْ عليّ في حياتي الكثير من المواقف والحالات والأمثلة التي تؤكد صحة هذا الكلام وتثبت صدقيته.
سيادة الدول وحقوق الإنسان
* في كتابكم استشراف لاقت لسيادة (الأمن الدولي) و(حقوق الإنسان) على حساب (سيادة الدول) التقليدية... بعد سنوات من صدور الطبعة الأولى: كيف تقرؤون اليوم تحقق هذه التوقعات في ظل النزاعات العالمية الراهنة، وهل لا تزالون تؤمنون بأن القوة الاقتصادية ستحل تماماً محل القوة العسكرية في صياغة النظام العالمي الجديد؟
- بداية، لا بد من القول إن أي نظام دولي يمكن أن تشهده البشرية لا يمكن أن تكون له صفة الديمومة، بل لا بد أن يخضع للتحول والتبدل والتغير بحسب الأحوال والظروف السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية السائدة في كل مرحلة من مراحل تطور هذا النظام، فعلى سبيل المثال منذ معاهدة وستفاليا عام 1648م، والتي أسست لظهور الدولة القومية الحديثة شهد العالم أنظمة دولية متعددة لم يقدر لأي منها الديمومة أو البقاء والاستمرار... انظر مثلاً إلى نظام توازن القوى، ونظام التعددية القطبية، ونظام الثنائية القطبية، أو حتى نظام القطب الواحد المعاصر والذي بدأت بوادر زواله تبدو في الأفق.
ففي الوقت الذي دأب فيه النظام الدولي الذي برز في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والذي مَثَّلته الأمم المتحدة على الارتكاز على مبدأ سيادة الدول واعتبارها أساساً للأمن الدولي، فقد شهدنا في مرحلة لاحقة تطوراً جديداً يقوم على طمس مبدأ السيادة واستبداله بمبادئ أخرى مثل (الديمقراطية) و(حقوق الإنسان) و(مكافحة الإرهاب) و(العولمة) بمفهومها الاقتصادي، هذه المبادئ قامت بوظيفة تبريرية توفر غطاء الشرعية الدولية لتدخل الدول الكبرى في شؤون الدول الصغرى، منتهكة بذلك مبدأ سيادة الدولة ومبادئ الأمم المتحدة، لأن جوهر هذا التطور الجديد كان هو تغليب (الأمن الدولي) على (السيادة الوطنية) للدول .
برزت بعد ذلك صورة أخرى مغايرة، بل متناقضة لما سبق، تمثلت في بروز اتجاه جديد ضد العولمة، أخذت إرهاصاته تتجلَّى شيئاً فشيئاً في الدول الغربية وبخاصة في الولايات المتحدة، كما تزامن ذلك التطور مع بروز ظاهرة جديدة أخرى في العلاقات الدولية تمثلت في تعاظم نمو التيار اليميني المتطرف الذي بدأ يجتاح العالم -وخاصة الغربي منه- والذي لا يخلو من توجهات ذاتية، وروح عنصرية، ورفض للآخر، وبدا واضحاً أن توجهات هذه الموجة الجديدة تميل بقوة نحو الانكفاء على الذات والعزلة والتقوقع داخل شرنقة الدولة القومية، وبدا وكأن هذه الموجة الجديدة هي البديل لأفكار العولمة والانفتاح الاقتصادي والقرية الكونية.
كما بدأ في الظهور مؤخراً تيار جديد يكرس مبدأ أو فكرة القوة العسكرية هي الطريق الوحيد لتحقيق السلام، والذي يُؤْذِن بتراجع جميع القوى الأخرى بما فيها القوة الاقتصادية في قدرتها على فرض الأحداث، وتحديد الأدوار، ورسم الهياكل .
يقودنا هذا كله إلى القول بأن العالم الذي نعيش فيه حالياً يمر بمفترق طرق حاسم، لم يعد بمقدور الإنسان فيه أن يعرف شيئاً أو يستطيع التنبؤ أو التوقع بما يمكن أن يحدث أو يستجد من تطورات، فالمقدمات لم تعد تؤدي إلى النتائج، ولم تعد النظريات ومناهج التاريخ والاجتماع ومواقف المفكرين تسد رمقاً أو تشفي غليلاً، لأن القواعد تتغير بين عشية وضحاها، والأسس تتبدل والمفاهيم تتغير وتنقلب، وكل ما يمكن التأكيد عليه هو أننا أصبحنا على أعتاب مرحلة جديدة، وفي مواجهة عالم مختلف، وحقبة مثيرة في العلاقات الدولية، وأنه سوف تكون هناك ترتيبات جديدة وظروف وأوضاع مستجدة سوف يشهدها النظام الدولي لا بد من السعي الحثيث لفهمها وسبر أغوارها، ومن ثم التعايش والتعامل معها، ومحاولة التأثير في مسارها بقدر الإمكان.
الجوانب الإنسانية لسعود الفيصل
* تظل المكتبة العربية فقيرة في توثيق الجوانب الإنسانية لوزير الخارجية الراحل الأمير سعود الفيصل، بعيداً عن الثناء الإنشائي المتكرر، هل يمكن لمعاليكم استحضار موقف محدد يكشف عن ذكائه وسرعة بديهته في لحظة عمل؟ وما مدى دقة ما يروى عن ملازمته (الكلمات المتقاطعة) في رحلات الطيران بوصفها تمريناً ذهنياً يسبق جولات التفاوض الكبرى؟
- أجد من الصعوبة بمكان فتح ملفات شخصية الأمير سعود الفيصل في هذه العجالة، وأكتفي بالقول هنا بأنه كان -رحمه الله- يتمتع بذكاء حاد متوقّد وبقوة شخصية ودهاء شديد، إلى جانب ما كان يتميز به من عقلية إستراتيجية وفكر تكتيكي من جهة، ومن ثقافة موسوعية راقية من جهة أخرى. هذه الصفات جميعها كانت تتبدى بوضوح في المفاوضات والمباحثات التي كان يجريها مع قادة الدول ورؤساء الوزارات ونظرائه من وزراء الخارجية، والتي كنت محظوظاً أن أحضر الكثير منها لكي أشاهد وأستمع إلى دهاقنة وأساطين السياسة في العالم وهم ينصتون إلى تحليلاته وآرائه ووجهات نظره وشروحاته لمواقف بلاده وقضايا أمته العربية والإسلامية، وينهلون من معين حكمته، ويتأثرون بأطروحاته، ويحترمون ويقدرون بعد نظره وحسه السياسي المشهود.
أما عن إمكانية استحضار موقف معين يكشف عن ذكائه وسرعة بديهته في لحظة عمل كما ذكرتم، فما يحضرني الآن هو دوره في أعمال اللجنة الثلاثية العربية الخاصة بلبنان، وما أسفرت عنه من انعقاد مؤتمر الطائف في عام 1410 / 1989، فلقد كان -رحمه الله- هو (المايسترو) أو الربان الذي استطاع أن يدير دفة سفينة اللجنة بكل مهارة ومهنية وذكاء وحرفية، والذي كانت لمساته البارعة، ومتابعاته الدقيقة آناء الليل وأطراف النهار خلال الأسابيع الثلاثة التي استغرقها عقد مؤتمر الطائف كان لها أكبر الأثر -وبشهادة اللبنانيين أنفسهم- في التوصل إلى ما تم تحقيقه من نجاح، وما تم إحرازه من انتصار.
ولا يمكن أن أنسى يوم انتهاء أعمال مؤتمر الطائف، وتوقيع وثيقة الوفاق بين اللبنانيين، وحين كان النواب اللبنانيون مجتمعين في القاعة الرئيسية في قصر المؤتمرات بالطائف بعد توقيع الاتفاق، وبعد أن كان الأمير سعود -وفي مبادرة ذكية بارعة- قد أصدر توجيهاته بإعداد (كعكة ضخمة) يكسوها العلم اللبناني مشاركة منا في احتفال اللبنانيين بما حققوه من إنجاز، حيث فوجئنا جميعاً، بعد أن وقعت أنظار النواب على (الكعكة) وتحلقوا حولها، وإذا بهم من دون سابق ترتيب أو تحضير يرددون بصوت واحد ومشاعر موحدة كلمات النشيد الوطني اللبناني، ويهتفون باسم لبنان ووحدته واستقلاله، ولقد اقشعرت أبداننا لرؤية ذلك المشهد، لقد كان حقاً مشهداً لا يمكن نسيانه كشف عن ذكاء الأمير سعود، وسرعة بديهته في لحظة تاريخية فارقة.
مروءات (أهل المدينة)
* أشرتم بلغة أدبية رقيقة إلى مروءات (أهل المدينة) قديماً مثل (قفة البيوت) وفي المقابل انتقدتم بعض الاعتقادات الباطلة، كيف استطاع الدبلوماسي (نزار مدني) الحفاظ على (الجذور الطيبة) في ظل الانفتاح العالمي الواسع؟ وهل تعتقدون أن القيم النبيلة للأعراف المحلية هي خط الدفاع الأول ضد الأنظمة الدخيلة؟
السياق الذي تفضلتم بالإشارة إليه عن الحياة الاجتماعية في المدينة المنورة جاء في إطار ما ورد في كتابي: «دبلوماسي من طيبة» من طفولتي التي عشتها في هذه المدينة المباركة، حيث كانت الحياة في تلك الأيام هادئة وبسيطة ووادعة يسودها التكافل الاجتماعي والتواصل والمحبة بين سكانها والترحيب وإكرام زوارها من جميع أصقاع الأرض، وكأي مجتمع آخر كان لا بد أن تكون هناك بعض العادات السلبية، وقد فصلت ذلك في كتابي المشار إليه، ولكن الميزة الرئيسية التي انفردت بها المدينة كانت ولا تزال تتمثّل في جانبين على قدر كبير من الأهمية:
• الجانب الأول: هو وجود نوع من الانسجام بين جميع المكونات البشرية التي تعيش فيها، فعلى الرغم من الخليط من الناس الذين تموج بهم شوارعها وأسواقها وأزقتها، وعلى الرغم من اختلاف ظاهر بينهم في المشارب والأهواء وتفاوت واضح في العادات والتقاليد وتباين جلي في الثقافات والمعارف، إلا أنك لا تجد هناك توتراً أو تنافراً، ولا تلمس قلقاً ولا اكتئاباً، وإنما هدوء وسكينة وأمن وأمان ودعة واطمئنان...
• الجانب الثاني: للميزة التي انفردت بها المدينة فهو التوازن، فالمدينة كانت ولا تزال تمثِّل حالة فريدة في تنوعها العرقي واختلاط مكوناتها في قالب اجتماعي كبير دون ذوبان لأي مكون مما نتج عنه وجود ما يمكن أن يسمى بالفيفساء الثقافية التي لا تخطئها العين.
هذان الجانبان هما اللذان ساعداني في المراحل اللاحقة من حياتي على المحافظة على ما تفضلت بتسميته (الجذور الطيِّبة في ظل الانفتاح العالمي الواسع)، ونقطة الانطلاق في تفسير ذلك هو أن هذين الجانبين (الانسجام والتوازن) لا يقتصران على اعتبارهما سمتين أساسيتين من سمات الكون الذي نعيش فيه فحسب، ولكنهما يتجليان في كل مظهر من مظاهر حياة الإنسان الذي يبدأ منذ ولادته بالتفرّد بشخصية معينة وعقلية مختلفة وميول ورغبات متباينة عن غيره، وقد ترتب على ذلك أن يكون نجاح الإنسان في هذه الحياة مرتبطاً بمدى قدرته على تكييف شخصيته وميوله وقدراته مع الإمكانات المتاحة له، بمعنى قدرته على القيام بالدور الذي يتناسب مع مؤهلاته. وليس الفشل أو الانحراف أو اتخاذ القرارات الخاطئة سوى نتيجة حتمية لاختلال الانسجام والتوازن في النفس البشرية.
ما أريد أن أصل إليه هنا هو أن كل إنسان هو بالفعل ميسر لما خلق له، ولهذا فلا مناص من أن يدع نفسه تنطلق على سجيتها، ويتجنب تقمّص شخصية غير شخصيته، ويبتعد عن القيام بدور يفتقد إلى مؤهلاته، وأن يهتم بدلاً عن ذلك كله بالأشياء التي يجيدها ويتقنها وترتاح نفسه لها، ويستطيع بالتالي أن يبدع ويحقق ذاته فيها، فهذا هو السبيل الوحيد إلى النجاح، والطريق السهل والمضمون إلى التفوق، والدرب المؤدي إلى النبوغ، والوسيلة الفعَّالة التي تساعد على اتخاذ القرارات السديدة والصائبة...
حالات القلق و«النفس المطمئنة»
* تضمن كتابكم اعترافاً نادراً بحالات القلق و(الارتعاد) من الاتصالات الليلية المتأخرة، وهو ما يتناقض مع ا لسكينة التي منحكم إياها القرآن الكريم، كيف وازنتم بين (النفس المطمئنة) وبين ضغوط مهنة تقوم أصلاً على الأزمات المفاجئة؟ وهل هناك (سر مهني) منع انهيار الأعصاب في اللحظات الحرجة؟
- ومن منا يا أخي الكريم من لا يرتعد خوفاً من المكالمات الليلية المتأخرة، خاصة من كان له مثلي تجارب سيئة في هذا الصدد، لاسيما مع تزامن ذلك مع طبيعة المهنة التي كنت أمارسها والتي لا تخلو بطبيعتها -في بعض الأحيان- من الاتصالات الليلية المتأخرة، وما قد تحمله أحياناً من أخبار قد لا تسر الخاطر، إلا أنني أستطيع أن أقول أنني -ولله الحمد والمنة- قد تجاوزت مرحلة ما أسميتها أخي الكريم (الارتعاد)، وأصبحت أكثر قدرة على تماسك الأعصاب والوصول إلى ما تفضَّلت بتسميته (النفس المطمئنة)، وكان الفضل في ذلك كله لله سبحانه وتعالى ولكتابه الكريم الذي تبعث المداومة على قراءته والتدبر في معانيه والاهتداء بهديه الكثير من الشعور بالطمأنينة والسكينة والأمان والتوكل على الله واليقين الثابت بأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
خواطر في تفسير القرآن الكريم
* يمثِّل كتابكم خواطر في تفسير القرآن الكريم تجربة خاصة في علاقتكم بالنص القرآني، كيف تشكلت هذه التجربة؟ وما الذي أضافته إلى رؤيتكم الفكرية والدبلوماسية؟
- عنوان الكتاب الذي أشرت إليه هو بالتحديد: (ليدبروا: قبسات من الإعجاز القرآني)، وهو الآن في طريقه إلى الطباعة والنشر بعد استكمال الإجراءات اللازمة إن شاء الله، وقد مر تأليف هذا الكتاب بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: كنت خلالها أكتفي بتلاوة جزء واحد من القرآن الكريم في كل ليلة، وكانت التلاوة في حد ذاتها في هذه المرحلة المبكرة تعني لي الشيء الكثير من انشراح الصدر، والابتعاد عن الهموم والغموم، والشعور بالطمأنينة والأمان والسكينة.
المرحلة الثانية: فقد تجلت حينما بدأت تبدو لي في أثناء تلاوتي اليومية بعض الألفاظ والعبارات والمعاني التي كان يستعصي علي معرفة معناها والكشف عن مضامينها، لذلك كنت حريصاً في هذه المرحلة كلما مررت بلفظ أو عبارة من هذا القبيل أن أحاول معرفة كنهها والمقصود منها في سياق الآية التي ترد فيها، ثم تطور الوضع قليلاً في هذه المرحلة ذاتها ببداية إنعام النظر في بعض الحالات التي تتضمن آيتين بالنص ذاته ولكن مع وجود لفظة أو كلمة أو عبارة مختلفة في إحداهما، مكتفياً في هذه المرحلة بتدوين كل ما يطرأ من ذلك أثناء التلاوة، والاكتفاء بوضعه في صيغة استفسارات أو تساؤلات أسميتها (مواضع التدبر) من دون حرص على معرفة الإجابة عن تلك التساؤلات والاستفسارات.
المرحلة الثالثة: هي التي بدأت خلالها في تناول تلك التساؤلات والاستفسارات واحدة تلو الأخرى باحثاً ومنقباً في كل ما أتيح لي من مصادر ومراجع محاولاً ما وسعني الجهد أن أجد لها الجواب الشافي والتفسير الكافي الذي يزيل الحيرة وينزع الغموض، وترتاح إليه النفس.
الغريب في الأمر والمثير للدهشة والعجب أنني كنت كلما أوغلت في البحث عن كلمة أو عبارة وكلما توهمت أنني قد أحطت بالقدر الكافي من تفسيرها والكشف عن أسرارها، وكلما أنهيت الحديث عن موضع جديد من مواضع التدبر، أكتشف فجأة أنني أمام موضع آخر أو تفسير غير مسبوق أو معنى ومضمون غير مسبوق، وكأن الإعجاز القرآني لا نهاية له، والدقة في التعبير لا حد لها، والبلاغة في التصوير ووضع كل كلمة في سياقها المناسب لا حد له ولا انقضاء.
ومع أنني أوردت في الجزء الأول من كتابي هذا مائة موضع من مواضع التدبر -وأعكف الآن على إيراد مائة موضع أخرى في الجزء الثاني من الكتاب مع بيان أسبابها وتوضيح مقاصدها- إلا أنني وجدت نفسي على يقين تام بأن ذلك كله هو غيض من فيض لا حد له، ونقطة من بحر لا قرار له، وأن كل آية من آيات هذا القرآن الكريم هي محيط لا نهاية لعمقه وأغواره.
وكنت في أثناء جميع تلك المراحل أشعر أنني تلميذ في رحاب القرآن الكريم، وعاشق للذكر الحكيم أجد فيه المعين الذي لا ينضب، والمنبع الذي لا يجف من سور وآيات بيِّنات وضعت المقادير، وأوضحت المصائر، وسردت القصص لتكون عبراً وعظات، وقد أيقنت نتيجة لذلك كله أن أطيب العيش وأرغده هو ما كان بصحبة القرآن فهو يواسي الأحزان، وينقي القلوب، ويشيع الطمأنينة والسكينة في النفوس، ويهدي إلى سواء السبيل.
ولا أريد أن أستفيض أكثر من ذلك، راجياً أن يجد القارئ الكريم في هذا الكتاب حين صدوره قريباً -إن شاء الله- شيئاً من الفائدة، وبعضاً من المتعة، وكثيراً من اليقين في التدبير «وَلَسَوْفَ يَرْضَى».
** **
@ali_s_alq