في قلعةٍ شاهقةٍ تحتشدُ بالأبواب المؤصدة، قضى «عاكف» سنين عمره يطارد السراب، يجمع مفاتيح تلك الأبواب بيقينٍ لا يتزعزع بأنها ستفضي به يوماً إلى فضاء الحرية.
كان سجنه صرحاً من خمسة طوابق، كلما عبر رِواقاً غنم منه مفتاحاً. عند الباب الأول، رأى طفلةً تعبث بمفتاحٍ فضي وهي تلعب «الغميضة». تظاهر بمشاركتها اللعب، وبينما كانت هي تفتش عنه ببراءتها، كان هو يسرق المفتاح ويهرع نحو الطابق الثاني، تاركًا خلفه بكاءً غير مسموع.
عندما وطئت قدماه الطابق الثاني، اعتراه زهوٌ عظيم؛ فقد تبدلت ملامحه بغتة، نما طوله، واخشوشن صوته، ونفخ الكبرياء أنفه. سار بصخبٍ في الممرات، متجاهلاً أصواتاً تهتف به من كل جانب: «لم تنتهِ الرحلة بعد! هذه ليست النهاية!». ظل واقفاً في مكانه بسكونٍ غريب، حتى ظهرت امرأة طاعنة في السن، سلمته مفتاح العبور وأمسكت بيده لتقوده بصمتٍ نحو الطابق الثالث.
هناك، انقشعت غشاوة الغرور، فأدرك أن الدرب لا يزال طويلاً. وجد نفسه وسط حشودٍ من الفتية، وجوههم مرايا لملامحه، تائهةً وغارقةً في القلق. كان الطريق أمامهم محفوفاً بالهاويات، وأشواك الحيرة الحمراء تدمي أقدامهم، ورفاقُ السوء يهمسون في آذانهم بالنكوص والرجوع. لكن «عاكف» سار بإصرار الصمّ، حتى وصل لنهاية الطريق، حيث وجد مفاتيح معلقة بأسماء أصحابها، فاختطف مفتاحه الذي كان بلون السماء الصافية.
ارتقى إلى الطابق الرابع، فشعر بوهنٍ يغزو ظهره، والتفت فلم يجد الفتية الذين صعدوا معه؛ إذ استُبدلت وجوههم بوجوه رجالٍ أشداء غلاظ. وحين حدّق في المرآة، لم يعرف نفسه؛ رجلٌ صلب البنية، كثّ اللحية، عيناه غائرتان يحيطهما سواد السهر ونظرة حادة كالنصل. وجد نفسه وسط مكتبةٍ تمتد لمداها البصر، والشباب من حوله يغرقون في بطون الكتب بحثاً عن «خلاصهم». بعد ليلٍ طويل من مقاومة النوم، وآلام المعدة التي نهشت جسده الهزيل، قبض أخيراً على مفتاحٍ ذهبيّ ضخم يلمع ببريقٍ أخاذ، فهرع به نحو الطابق الخامس، حيث تتراءى له مشارف النهاية.
أما في الطابق الخامس، فقد غمرت الفرحة وجوه الشباب وهم يلمحون خيوط شمسٍ ضئيلة تتسلل من الشقوق. لم يكن ذاك النور الشاحب ليرضي طموح «عاكف»؛ كان يصبو إلى شمس الطابق السادس كاملة. لم يجد أمامه سوى مسبحٍ يغوص في عمق عشرة أمتار، وقرارٍ مرّ: إما الغرق أو القنص. قفز في اللجّة، فتخبط في البداية باحثاً عن قشةٍ يمسك بها، لكنه أدرك أن النجاة لا تُمنح، بل تُنتزع بحركة اليدين والقدمين. غاص في الأعماق، وبعد صراعٍ مرير مع أنفاسه المقطوعة، استلّ المفتاح السادس من القاع، وصعد إلى السطح منهك الظهر، ذابل العينين، وشعر متساقط.
وصل أخيراً إلى القمة، إلى الطابق السادس، حيث تصطف الأبواب الستة. اتجه نحو أكبرها وأفخمها، والفرحة تضيء وجهه الشاحب، أدخل المفتاح.. فلم يدر. حاول بكل قوته، لكن الباب ظلّ صلباً كالصخر. انهار عاكف وانفجر ببكاءٍ مرّ.
حين سكن نحيبه، جرب الباب الثاني، وكان أصغر حجماً، لكنه ظل موصداً. كانت الصدمة هذه المرة أقلّ وطأة. كرر المحاولة مع الثالث والرابع والخامس.. دون جدوى. وأخيراً، وقف أمام الباب السادس؛ بابٌ ضيقٌ لا يكاد ينفذ منه رأسه، بابٌ قلقٌ يفتح تارةً بمهب الريح ويوصد تارةً أخرى.
التفت عاكف خلفه، فرأى طوابير من أقرانه ينتظرون أمام تلك الأبواب بوجوهٍ يملؤها الرجاء والترقب، فأدرك في تلك اللحظة الحقيقة الكبرى: أن الحياة ليست إلا أبواباً قد تُفتح وقد تظل مغلقة، وأن فتحها لا يرتهن أبداً بعدد المفاتيح التي نفني العمر في جمعها.
** **
- غالية بنت علي المشيقح