ما أشدَّ فجاجة السؤال حين يُقال: لِمَ يبدو الإسكافي في مجتمعاتنا أوضح وظيفةً من المفكر؟
لعلّنا نعرف حاجتنا إلى الإسكافي؛ حذاءٌ ممزق، وإصلاحٌ عاجل، ثم أجرٌ واضح مقابل عملٍ مفهوم، أما الكائن الموسوم بـ»المفكر العربي» فكثير منا لا يعرف أصلًا ما الذي يصلحه تحديدًا، ولا لِمَ يقضي عمره في تفكيك الأفكار بدل إصلاح شيء «ملموس» يمكن تصويره أو قياسه أو بيعه في نهاية الشهر، ولذا يبدو المفكر في بيئتنا مخلوقًا زائدًا عن الحاجة؛ وبتعبيرٍ أقل تهذيبًا: متاعًا مهملًا لا يُرتجى منه نفع.
ولكي يكون الكلام دقيقًا منذ البداية فأنا لا أتحدث هنا عن كل من كتب مقالًا سياسيًا أو ظهر في برنامج حواري أو جمع جمهورًا في وسائل التواصل، «المفكر» في هذا السياق هو صاحب المشروع الذي يحاول تفسير ظاهرة حضارية أو نقد بنية ثقافية أو إعادة ضبط المفاهيم التي تتحرك بها الجماعة؛ أي الإنسان الذي يشتغل على الأفكار نفسها، لا على التعليق اليومي العابر.
وحقيقةً طالما أثار فيَّ العجب أن المفكر العربي لا يكاد يظهر في صورته الصريحة أصلًا؛ فتجده شاعرًا يهرّب الفلسفة عبر القصيدة، أو ناقدًا يخفي أسئلته داخل الأدب، أو أستاذ عقيدة يشتغل في المنطق وفلسفة المعرفة أكثر مما يشتغل في المسائل العقدية، أو باحثًا في الدراسات الثقافية يمارس التفكير الفلسفي تحت أسماء أقل حساسية؛ كأن الفكر عندنا لم يحصل على شرعية الظهور منفردًا، فيضطر إلى ارتداء أكثر من قناع حتى يُختم له الجواز.
ولا أعني إنكار العلاقة العميقة بين الفلسفة والعقيدة، أو بين المنطق وأصول الفقه؛ فالحضارة الإسلامية نفسها أنجبت تراثًا عقليًا هائلًا داخل هذه العلوم؛ فالغزالي ناقش المنطق والفلسفة، والفخر الرازي اشتغل على أسئلة معرفية معقدة، وابن رشد لم يكن فيلسوفًا معزولًا عن الفقه والقضاء، المشكلة إذن ليست في التداخل المعرفي، وإنما في الحساسية تجاه الاسم الصريح للفكر الحر؛ فالفكرة تغدو أهون وقعًا حين نغيّر اللافتة المعلقة فوقها.
ومن ثمَّ يصح أن أسأل: لماذا لا توجد في جامعاتنا أقسام فلسفية مؤثرة اجتماعيًا كما توجد كليات الطب والهندسة؟ لا شك توجد مشاريع جادة ومحاولات مؤثرة عند مفكرين مثل مالك بن نبي أو طه عبد الرحمن – على المستوى العربي العام – وغيرهما، غير أن حضور الفكر الفلسفي في المجال العام ظل محدودًا قياسًا بحجم تأثيره المفترض، وأرى – محليًا – أن الإشكال أعمق من مجرد غياب الأقسام الأكاديمية؛ فالقضية مرتبطة بتاريخ طويل من القلق تجاه «استقلال العقل» نفسه؛ فمنذ ضعف المراكز العلمية القديمة، ثم صعود الدولة المركزية الحديثة، أصبح المجال الفكري يُنظر إليه غالبًا كشيء ينبغي ضبطه لا إطلاقه، ثم جاءت الصدمة العربية من الاستعمار، فانقسم الفكر العربي الحديث بين من انشغل بحماية الهوية حتى خاف من السؤال، ومن انبهر بالنموذج الغربي حتى تعامل مع مجتمعه كعبء تاريخي مزعج، وبين الطرفين ضاعت محاولة بناء عقل نقدي مستقل قادر على المراجعة دون قطيعة متشنجة مع الذات.
وبالتالي لم تتشكل لدينا تقاليد راسخة للفكر باعتباره «مؤسسة مستقلة» ولكن على أنه نشاطٌ تابع؛ تابعٌ للدين أحيانًا، أو للسياسة، أو للأيديولوجيا، أو للهوية، أو حتى للنجومية الثقافية، وربما لهذا السبب نملك معلّقين أكثر مما نملك منتجي مفاهيم، ولدينا متحدثون بارعون أكثر مما لدينا باحثون يشتغلون سنواتٍ على سؤال واحد.
ومن المفارقات الساخرة أن كثيرًا من البيئات الثقافية تريد من المفكر أن يكون جهاز «تبريد» ثقافي لا جرس إنذار؛ يريدون أن يشرح العالم بطريقة مريحة، بمعنى: إذا اقترب من الجذور التي تنتج الخلل قيل إنه سوداوي معقد منفصل عن الناس – تبًا له – وهكذا أمست الثقافة وسيلةً لطمأنة الذهن في هيئةٍ أكثر جاذبية.
ولعلّ جزءًا من أزمتنا يشبه معضلة «سفينة ثيسيوس» القديمة؛ تلك السفينة التي كان يُستبدل كل لوح فيها بآخر حتى سأل الفلاسفة: أبقيت السفينة هي نفسها أم صارت شيئًا آخر؟ ونحن أيضًا نفزع كلما سأل أحدهم: هل ما نزال نحن؟ أم أننا نخشى السؤال أكثر مما نخاف التغيّر نفسه؟
لذلك يجنح بعض المفكرين العرب إلى الاحتماء بالانتماءات الكبرى: حداثي، تراثي، عقلاني، وجودي... إلى آخره؛ فالانتماء يمنح المفكر جمهورًا جاهزًا، ويهبه لغة مشتركة، ويعفيه من عزلة السؤال الحر، أما المفكر المستقل فيدفع ثمن استقلاله من كل الجهات؛ فالمنتسب للحداثة يشك فيه لأنه لم يمنحه الولاء الكامل، وكذلك باغي التراث يتوجس منه لأنه لم يعلن الخضوع التام لسرديته.
ومن هنا انقلبت ساحتنا الفكرية – في أحيان كثيرة – من فضاءٍ تُختبر فيه الأفكار إلى حلبةٍ تتناطح فيها الهويات، وأمسى السؤال: «من أي معسكر أنت؟» يسبق: «ما الذي تقوله؟» وإذا ظهر مفكر يحاول نقد تيار حداثي اتُّهم فورًا بالتراثية، وإذا نقد حزبًا تراثيًا اتُّهم بالحداثة، وإذا رفض التصنيف كله بدا للكثيرين كأنه إنسان بلا ملامح فكرية.
ومع هذا كله لا يجوز لي تحويل المفكر العربي إلى ضحية تحت مذبح مقدس؛ فهنا يقع جزء من الخداع الثقافي الذي نمارسه على أنفسنا؛ فالسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بحزم: هل قدم الفكر العربي الحديث فعلًا مشاريع تفسيرية كبرى غيّرت طريقة فهم المجتمع لنفسه؟ أم أن جزءًا معتبرًا منه ظل يدور داخل معارك لغوية وأيديولوجية أكثر من اشتغاله على بناء أدوات تحليل دقيقة؟
بعض من تصدّروا المشهد الفكري أساؤوا إلى صورة الفكر نفسه؛ فجعلوا الغموض دليل عمق واستوردوا مفاهيم منزوعة من سياقاتها ومارسوا تعاليًا جعل القارئ يشعر أن الفكر نادٍ مغلق لا يحق له دخوله، ولا أقصد تبسيط الفكر حتى يفقد دقته وإنما الاعتراض على الغموض الذي يتحول إلى قناع لفقر الفكرة.
ولهذا لا تكفي الحرية وحدها لصناعة نهضة فكرية ولا الجامعات والمنابر ودور النشر؛ فالأزمة أعمق من ذلك كله؛ هي اضطراب العلاقة بين العقل والهوية والسلطة والجمهور، ولهذا كثيرًا ما يفشل المفكر العربي؛ لأنه يفكر في ساحة تطلب منه الانتماء قبل الفهم واليقين قبل السؤال والولاء قبل الحقيقة.
الفكر الحقيقي ليس تعقيدًا مفتعلًا وإنما قدرة على إنتاج أسئلة دقيقة وضبط المفاهيم وكشف التناقضات في الوعي والمؤسسات واللغة، لذلك أجد أن أزمتنا لا تكمن في نقص المفكرين، ولكن في غياب البيئة التي تسمح للفكرة أن تُختبر خارج الولاءات والانفعالات.
وأخيرًا نفهم لِمَ يبدو الإسكافي أكثر طمأنينة من المفكر العربي؛ فإذا أصلح الحذاء انتهت مهمته، أما المفكر فكلما حاول إصلاح فكرة اكتشف أن الخلل لا يسكن فيها وحدها، وإنما في المؤسسة التي تنتجها، والجمهور الذي يمنحها الصخب، والهيمنة التي تحرسها، والمثقف الذي يعتاش عليها.
** **
أسامة الواصلي - كاتب وباحث في الأدب والفكر