«الثقافية» - سمر العزام:
أقامت دارة الملك عبد العزيز، بالتعاون مع هيئة تطوير بوابة الدرعية، أمسية ثقافية بعنوان «قراءة في كتاب: نصوص شعرية في رثاء الدرعية من جمع وتحقيق سعد الحافي»، قدَّمها الدكتور: محمد بن ناصر الشثري، وأدار الجلسة الدكتور: فيصل العامر.
ويأتي ذلك ضمن جهود الدارة في إبراز الذاكرة الوطنية وتعزيز حضور الأدب في توثيق التاريخ. وقد شهدت الأمسية حضورًا لافتًا ومميزًا من الأكاديميين والمثقفين والإعلاميين.
ورحّب مدير الجلسة بالضيوف، وقال: «نلتقي اليوم لتسليط الضوء على أحد الكتب المتميزة، الذي يستعرض جانبًا من تاريخ الدرعية، عاصمتنا التاريخية، من خلال رصد النصوص الشعرية في رثاء الدرعية، والتي تستذكر فترة مفصلية من تاريخنا السعودي. وضيف هذه الجلسة وفارسها الدكتور محمد بن ناصر الشثري، وله اهتمامات واسعة في مجالات عدة، فله مؤلفات في الشريعة الإسلامية والتاريخ والأدب، منها:
* الدعوة في عهد الملك عبدالعزيز.
* زكاة الذهب والفضة والأسهم.
* على نهج الملك عبدالعزيز.
* قطوف الأشعار وجواهر الأقوال.
* تحقيق مخطوط عنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر.
وغيرها من المؤلفات العديدة».
ثم تحدث الدكتور الشثري، فقال: «ونحن في عاصمة الدولة السعودية الأولى، ومنطلق الوحدة الوطنية، وصرح المجد الخالد، أتقدم بوافر الشكر إلى دارة الملك عبد العزيز والقائمين عليها، وعلى رأسهم صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود.
أقول ذلك، وكلي فخر بما وصلت إليه دارة الملك عبدالعزيز من مكانة علمية وعالمية بوصفها مركزًا ثقافيًا وتاريخيًا، لما لها من دور فاعل ومتميز في حفظ وصيانة التراث والتاريخ السعودي والعربي والإسلامي.
ولا غرابة في ذلك، فدارة الملك عبدالعزيز إنما هي من غراس يد الخير والعطاء، يد سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، الذي أولاها عناية استثنائية ودعمًا متواصلًا على مدى أكثر من خمسين عامًا، حتى صارت مرجعًا تاريخيًا رائدًا في المملكة العربية السعودية وعلى مستوى المنطقة العربية كافة».
* مدير الجلسة: في البداية، دكتور، وقبل الحديث عن القصائد والشعراء، من خلال قراءتك أعطنا نبذة عامة أو تصورًا شاملًا للكتاب؟
- الدكتور الشثري: في كتاب «نصوص شعرية في رثاء الدرعية» يُقرأ التاريخ من أبعاد مختلفة تضمنتها نصوص الشعر بشقيه الفصيح والعامي، مما منح أخبار الرواة والمدونين عمقًا ومصداقية عالية.
وكان منهج الباحث محددًا ومقتصرًا على دراسة النصوص التي قيلت في زمن الغزو العثماني للدرعية، بحيث يكون الغرض الأساسي من النص وصف الحال التي آلت إليها الدرعية بعد خرابها، مع استبعاد النصوص المتأخرة زمنيًا، أو التي اكتفت بمجرد إشارة عابرة إليها دون أن يكون رثاء الدرعية أو تصوير مصابها هو موضوعها الرئيس.
وقد قام الباحث بتحقيق النصوص، والمقارنة بين الروايات المختلفة في المصادر والمخطوطات، والترجيح بينها، والتعريف بالشعراء، وشرح المعنى الإجمالي للنصوص، وشرح معاني المفردات الغامضة، واستخراج الدلالات التاريخية من النص.
كما تطرق الباحث، في التمهيد بين يدي دراسته، إلى إعطاء نبذة تاريخية عن تأسيس الدرعية على يد الأمير مانع المريدي عام 850هـ، وانتقال الإمارة في أبنائه حتى وصلت إلى مؤسس الدولة السعودية الأولى الإمام محمد بن سعود عام 1139هـ، واتساع نفوذ الدولة السعودية في عهد الإمام عبدالعزيز بن محمد والإمام سعود بن عبدالعزيز، وتمدد نفوذ الدولة السعودية الأولى وضمها للحجاز، أرض الحرمين الشريفين، وضم الأحساء وأجزاء واسعة من الجزيرة العربية، من البريمي شمال عُمان إلى الحديدة غربًا. أما شمالًا، فقد نفذت الدولة السعودية سلسلة من الحملات العسكرية الجريئة ضد الولايات العثمانية، فوصلت جيوشها إلى كربلاء والنجف في العراق، ثم توغلت في حوران جنوبي الشام، ووصلت إلى أطراف دمشق، مما أثار هلع الدولة العثمانية التي شعرت بتهديد وجودي مباشر من صعود الدولة السعودية الأولى وانتشار الدعوة السلفية.
فبدأت الدولة العثمانية في التحرك، وأرسلت حملات عسكرية متتالية، وقد قام الباحث برصد تاريخي مفصل للأحداث وصولًا إلى استسلام الدرعية وتخريبها.
* مدير الجلسة: ما أهمية الشعر ودوره في كتابة وتوثيق الأحداث التاريخية؟ وكيف وظّفه المؤلف؟
- الدكتور الشثري: الشعر من أهم المصادر التي تعكس صورة صادقة عن واقع المجتمع والأحداث التي عايشها الشعراء، ويضيف البعد الإنساني الذي يجعل التاريخ جزءًا من الوجدان الشعبي؛ لذلك يقول بعض المؤرِّخين: «الشعر هو تاريخ الأمة بلسان شاعرها».
وفي الكتاب، قام الباحث بدراسة نصوص الشعراء واستخرج دلالاتها التاريخية والاجتماعية والإنسانية، باعتبارها الشهادة الأهم؛ كون الشعراء معاصرين للحدث ومتأثرين به، وقد انعكس أثره على حياتهم.
مدير الجلسة: قسم المؤلف الكتاب إلى فصلين رئيسين: الشعر الفصيح والشعر النبطي، فما الفرق بين هذين اللونين؟
الدكتور الشثري: لا فرق في أهميتهما بوصفهما وثيقة تاريخية للحدث، فنجد أن الشاعر الشيخ القاضي علي بن حسين بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب قد عاين بنفسه الجرائم البشعة التي ارتُكبت بحق أهل الدرعية، من قتل جماعي، وتعذيب وحشي، وانتهاك للحرمات، وتشريد للآلاف من السكان، وهدم للبيوت والمساجد، ووثَّق ذلك في قصيدة من ثلاثة وثمانين بيتًا، منها:
فَبَيْنَا نَسُودُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا
وَتَنْفُذُ أَحْكَامٌ لَنَا فِي القَبَائِلِ
وَتَخْفِقُ رَايَاتُ الجِهَادِ شَهِيرَةً
بِشَرْقٍ وَغَرْبٍ يَمْنَةً وَشَمَائِلِ
تَبَدَّلَتِ النَّعْمَاءُ بُؤْسًا وَأَصْبَحَتْ
طُغَاةٌ عُتَاةٌ مَلْجَأً لِلأَرَاذِلِ
وَبَثَّ عُتَاةُ الدِّينِ فِي الأَرْضِ بَغْيَهُمْ
وَرُوِّعَتْ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ الغَوَافِلِ
وَأَقْبَلَ قَادَاتُ الضَّلَالَةِ وَالرَّدَى
وَسَادَاتُهَا فِي عَسْكَرٍ وَجَحَافِلِ
إلى آخر القصيدة، حيث يذكر بشكل مفصل جميع مشاهداته ومشاعره عندما أقبلت جحافل الشر في جمع غفير من العسكر والمرتزقة، فشنّوا حربًا شعواء، وقتلوا الناس وشرّدوهم، فخربت الديار وخلت من ساكنيها.
وهذا أيضًا ما أكده الشاعر الشيخ القاضي عبدالعزيز بن حمد بن معمر في قصيدته التي مطلعها:
إِلَيْكَ إِلَهَ العَرْشِ أَشْكُو تَضَرُّعًا
وَأَدْعُوكَ فِي الضَّرَّاءِ رَبِّي لِتَسْمَعَا
فَأَنْتَ تَرَى مَا قَدْ جَرَى فَانْتَصِرْ لَنَا
مِنَ الفِئَةِ البُعْدَى عَنِ الحَقِّ مُشْرَعَا
فَقَدْ ظَلَمُونَا بِاعْتِدَاءٍ وَجَرَّدُوا
سُيُوفَ ضَلَالٍ لَا اهْتِدَاءَ لِمَنْ سَعَى
ففي القصيدة يصف ما حلّ بهم من ظلم فادح وعدوان غاشم على يد الغزو العثماني، الذين قتلوا خيرة الشباب الصالحين، وهدموا البيوت ونهبوا الأموال.
أما في جانب الشعر العامي، فيُحسب للباحث أنه أخرج لنا قصيدة الأمير مشاري بن عبدالرحمن، التي لم تكن معروفة من قبل، ومنها:
يا دار ياما نلطم العايلينا
إن ثار بأطرافك قتام المعادين
بفزعاتنا اللي مثل ورد القطينا
لبّاسةٍ بالكون زين التوامين
ميتين يومٍ زودهن أربعينا
ونحن نسوم العمر ما نتبع اللين
نار العميل وظلوا المستحينا
بيومٍ جلبنا العمر دون أريش العين
ولا خشها الطربوش غصبٍ علينا
إلا بصلحٍ وأكثر الناس كارهين
وأنا أحمد الله دونها ما اتقينا
لي مواقفٍ يضحك حجاج المحبين
واليوم حلت غارة البين فينا
وما قدر الباري فلا منه جزعين
فقد وصف فيها حالة الدفاع عن الدرعية، حيث قاتلوا قتال الأبطال مائتين وأربعين يومًا، وبذلوا أرواحهم فداءً لها بعد أن هرب العملاء والجبناء. ولم يمكّنوا العثمانيين من دخولها بالقوة، بل دخلوها بعد صلح كرهه الأكثرون ولم يرضوا به. ثم يمتدح الشاعر نفسه، مشيرًا إلى مواقفه المشرِّفة وشجاعته الباهرة.
أما الشاعر محمد بن عبدالعزيز أبو نهية، فقد وقف على أنقاض الدرعية بعد أن هُدمت وأصبحت خاوية على عروشها، فأجهش بالبكاء على الديار، وبكى أهلها الذين أُزهقت أرواحهم بغير جريرة، وتأسف على أفراد الأسرة الحاكمة من آل سعود الذين رحلوا إلى مصر. كما وصف حجم الكارثة التي حلّت بـ«العوجا» -وهو لقب الدرعية في تلك الأيام- وكيف تحولت هذه المدينة الآمنة المزدهرة على أيدي الغزاة إلى خراب تسكنه الجن وتنهبه الأوباش، بعدما كانت مركزًا حضاريًا نابضًا بالحياة، تعج أسواقها بالحركة، وتزدهر مدارسها ومساجدها، ولا سيما حي الطريف الشهير.
وابكي على العوجا ربينا بربعها
أصغارٍ أكبارٍ نشتري ونبيع
دارٍ إلى جاها الغريب يوالف
وجنابها للممحلين ربيع
خلت ما سوى جن تطارد بسوقها
وخراب جدرانٍ كذا ومضيع
غدت عقب هاك الدل والطر والبنا
غدت نجادي خاربات سفيع
تطب بها من كل غوغاء قبيلة
وتشيل من بيبانها وتبيع
ما كنها للحكم في يوم منصب
ولا رز فيها للغنات وضيع
ولا سوقت بأسواقها خرد المها
ولا كل عذرا كالغزال تليع
* مدير الجلسة: جاء في قصيدة الإمام تركي بن عبدالله بن محمد آل سعود بيت يقول:
فما دام تركي ينقل السيف سالم
فلا بد ما نرجع إليك سريع
* ما دلالة هذا البيت؟
- الدكتور الشثري: يقول الإمام تركي بن عبدالله - رحمه الله:
فإن طالت الساعات والوقت ساعف
فصيور ما نلفي إليك رجيع
ولا هوب قرطوع عمرٍ وينقضي
وبدلك دار عيشةٍ ومتيع
فما دام تركي ينقل السيف سالم
فلا بد ما نرجع إليك سريع
ويؤكد الشاعر في هذه الأبيات الأمل الراسخ بالعودة إلى الدرعية مهما طال الزمن واشتدت الغربة؛ فالدرعية، في نظره، ليست مجرد مكان، بل هي الوطن الأصيل الذي لا يمكن الاستغناء عنه. وبهذا البيت تنفرد المخطوطة، وقد صدق حدس الشاعر في الإمام تركي بن عبدالله -رحمه الله- إذ تمكَّن من طرد الغزاة وتأسيس الدولة السعودية الثانية.
* مدير الجلسة: حدثنا عن الأرجوزة التي كتبها ابن دعيج وتضمنها الكتاب؟
- الدكتور الشثري: كتب الشيخ القاضي أحمد بن دعيج هذه الأرجوزة بعد أن استتب الأمر للإمام تركي بن عبدالله، ووصف فيها تفاصيل ما حدث في الدرعية والمعارك التي خاضها الباشا ضد الدولة السعودية الأولى، بداية من حصار الرس وصولًا إلى حصار الدرعية. والأرجوزة تزيد على مئة بيت، ومنها:
تآزروا بالقتل والمصادرة
الله يكفينا وجوهًا باسرة
والسبل في الأعراب قطعوها
بالختل والأموال نهبوها
فاضطربت أيامنا واختلت
سبع سنين سقمت واعتلت
وأظلمت نجد وثارت الفتن
واستنسر البعوض والثعلب فتن
فانتدب الشهم الموفق تركي
وجرد الأجرب نظام الملكي
وأورد الأعداء بحار الهلكى
وقوّض من نجد قصور التركي
ولاح بدرًا طالعًا في السعد
وكف شرًا واستقرت نجد
وفي ختام الأمسية، أُتيحت المداخلات للحضور، التي أثرت موضوع الجلسة بعدد من الآراء والمناقشات حول الكتاب ودور الشعر في توثيق تاريخ الدولة السعودية الأولى.