ثمة روايات تقرؤها، وثمة روايات تقرؤك. «ترف الانكفاء» لوائل الحفظي من النوع الثاني.
الفكرة المركزية التي تقوم عليها الرواية يمكن اختزالها في عبارة سارتر التي تبدو وكأنها تسكن وعي البطل: «الآخر هو الجحيم»، ليس الآخر المحدد، بل كل آخر، أيا كان. فوجود الآخر يهدد الوجود الواقعي للإنسان، ويهدد وجوده الرمزي أيضا؛ يهدد حريته، ورغبته، ورؤيته للحياة، ويعيد تشكيله دون إذن.
تنفتح الرواية على موضوعات الاغتراب، وعلاقتنا المرتبكة بالأشياء، وبالمال، وبالناس، وبالعالم الواسع من حولنا، العالم الذي نعيش فيه دون أن نملكه أو نفهمه؛ عالم يكشف هشاشة الإنسان، وضعفه، رغم ادعائه الدائم للقوة. وكأن الرواية تهمس بقسوة: تجنب الآخرين، فالعالم الذي نعيش فيه يفرض علينا ما يتناقض جذريًا مع ما نحياه في الداخل.
تخبرنا الرواية بأننا لا نعرف دوافع معظم ما نفعله؛ نمارس حياتنا من باب الاعتياد فقط. وننسلخ في هذا العالم دون وعي بحقيقة ما نريده، وهنا يبدأ تمرد البطل: تمرد على المجتمع الذي يمثل قوة ضاغطة على الفرد.
تُبنى هوية الفرد من انتمائه إلى جماعة يخضع لها، أحيانا بوعي، وأحيانا أكثر دون وعي، لا من اختياراته الفردية. ينتمي الفرد أولا، وتحدد خياراته، ثم يظن أنه هو من يختار. كأن هوية الإنسان محددة سلفا بانتماءاته المكانية والزمانية قبل أن يولد.
لكن البطل يرفض ذلك كله. يقاوم العالم الذي اعتاد الاعتياد، يخاف أن تنعدم قدرته على التحكم، يحاول أن يجعل اختياراته نابعة منه، أن يمتلك حرية حياته واختياراته وتصرفاته، حتى لو دفع ثمنًا وجوديًا باهظًا: العزلة، والاغتراب، وفقدان قبول الآخرين. أن تمتلك حياتك يعني أن تتحمل وحدك تبعاتها. وأن تقبل أن تكون غريبا في عالم ترفض أن يستهلكك، ويطمس ذاتيتك.
تكشف الرواية زيف الأنشطة اليومية التي نمارسها بدافع العادة أو الإكراه أو التقليد؛ فهي ليست حياتنا الحقيقية، حتى لو ظننا ذلك. لذلك ينغمس البطل في تفاصيل يومية تبدو تافهة للآخرين، لكنها محاولات لاستعادة المعنى. يتأمل الأشياء بقسوة، ويتعامل بحدة مع ذاته، ومع الآخر الذي لا يظهر إلا نادرا. يذكرني البطل بمقولة قرأتها تصف الفيلسوف، وتنطبق تماما على البطل هنا، تقول: «لأنه لا يستعير قنديلا من أحد في معركته مع الظلام يظنون بأنه يسير في العتمة ولا يرى، ولا يعلمون بأن ذاته قنديله».
ورغم أننا نعرف عن البطل كل شيء تقريبًا – عاداته، أفكاره، مشاعره، ماضيه – إلا أننا لا نعرف اسمه. ينتهي النص دون أن يُسمّى، كأنه يرفض كل تعريف يأتيه من الخارج، أو كل محاولة لإدراجه ضمن نظام دلالي لا يختاره.
يختار البطل العزلة ليتخذها خيارا وجوديا واعيا، ينكفئ على ذاته داخل مساحة ضيقة تكفيه. ينسحب من العالم، يرفض زيفه، ومجاملاته، وعلاقاته التي يراها هشة.
يختار الانسحاب تعبيراً عن إرادة حرة: ألا يهتم إلا بما يصدر من داخله. يرى في العزلة شكلًا من التحرر والانفكاك عن سلطة الجماعة، حتى لو قاده ذلك إلى رأي منفرد لا يراه الآخرون صائبًا.
يضيق العالم لديه حتى يصبح حدود شقته. يريد الآخرون توسيع عوالمهم، بينما هو يتمنى أن ينكمش أكثر، أن يصغر عالمه حتى لا يتضمن سواه.
تمضي الرواية ولا نعرف هل العزلة هي التي شكّلت هويته التي هو عليها، أم أن هويته هي التي قادته إلى العزلة؟
يذكرني الانكفاء في الرواية بتصور هايدغر عن “الوجود الأصيل”، حيث يتطلب الوعي بالزمان والموت، والانسحاب من ضوضاء الهم اليومي. كأن البطل ينسحب من عالم الثرثرة والتسليع، رافضًا الوجود الزائف. ويختار أن يسكن الهامش.
يصل هذا الانكفاء والانسحاب إلى حد تمني أن تقل الأبجدية، أن يقل الاحتكاك البشري إلى أقل مستوياته، يصبح التواصل عبئا مرهقا، وفهم الآخر جهدا لا يحتمله: «إن عملية فهم الإنسان مضنية، وأنا لدي ما يكفي من التعقيد» يتجنب التعقيد ويتجنب الآخر؛ محاولة لحماية الذات. وكأن الخلاص يكمن في تبسيط العالم، أو الهروب منه: «أهم ما في الحياة هو تجنب التعقيد».
يتعامل مع ذاته بصعوبة لا تمكّنه من التعامل مع العالم وصعوباته. يعيش اغترابًا يزيده تفكيره المثقل بأسئلة لا إجابات لها. حتى ملابسه تتحول إلى قناع؛ فإذا كان الجميع يتخفى، فلماذا لا يتخفى هو أيضًا بملابسه؟
يبحث عن السكون في زمن السرعة، وعن الهدوء في زمن الضجيج. يرى أن ادعاء القوة شكل من أشكال الحماقة. يفقد إيمانه بالأشياء تدريجيا، حتى يصل إلى أن يفقد إيمانه بنفسه.
تمثل تأملاته الصامتة داخل غرفته نوعًا من الإنصات العميق للذات، حتى لو كانت هذه الذات مختلفة عن الآخر، أو غير متسقة معه، حتى لو كانت متناقضة أو غير متزنة أو غير مقبولة. ومن هذه الزاوية، وبنظرة قاسية، يبدو له المجتمع مريضًا؛ لأنه يختلف عنه، ولأنه لا يتواطأ معه ولا يخضع له.
يظل عالقًا بين متناقضين: الخلاص من العالم، وتشبث العالم به. في هذا الزمن، تبدو المعادلة هكذا: إما أن تركض وتفقد نفسك أو تنعزل وتفقد الآخرين.
تبدو الرواية وكأنها نسخة سردية من معاناة يومية يعيشها كثيرون. كأن يبقى الإنسان وقتا طويلا يتمرن على هذه الحياة، ثم يكتشف أنه لم يتقنها، وأن طريق الوصول إلى إتقانها بعيد وشاق يدخل ضمن حدود المستحيل، لا أحد يتقن الحياة، ومن ظن أنه يتقنها فهو أجهل الناس بها. ليست الحياة صعبة، لكنها تختلف تماما عما نظن، ونحن نظن أننا نعرفها.
إنها رواية لا تقرؤها بقدر ما تقرؤك. لا أحداث كثيرة، لا تشويق، لا محاولات لجذب القارئ بما يحدث للشخصية، بقدر ما هي محاولات لكشف ذات القارئ وما يحدث له أو (فيه).
رواية مألوفة إلى حد غريب؛ تشعر أنك من كتبها. تضعك أمام نفسك، تتماهى مع بطلها، ثم تكتشف في النهاية أنه لا يشبهك، ومع ذلك لا تفقد تعاطفك معه، كأنه يخدعك بأنه أنت، وهو ليس كذلك.
واقعية الرواية تبلغ حدًا يكاد لا يُصدق؛ تصور الحياة الداخلية المشوهة، حيث تكتشف الذات نفسها حين تنفصل عن العالم. وترفض كل أشكال التبعية.
في النهاية، يبقى السؤال الذي تتركه الرواية مفتوحًا: نحن نعلم أن العالم يمكن أن يعيش دوننا… لكن، هل يمكن أن نعيش نحن دون العالم؟
** **
- د. عبير علي الجربوع