السرد هو ما يصنع الذاكرة ويجعل الناس يتذكرونك. ويشير الدكتور عبد العزيز السبيل في إهدائه إلى والدته «نورة» بوصفها منبع الحكاية الأولى، حيث تعلّم منها السرد، في دلالة على أن البدايات الشفاهية هي الجذر الأعمق لكل نص مكتوب، وفي إشارة إلى أن الحكاية تبدأ من البيت قبل أن تُكتب.
في ليلة من ليالي الرياض الربيعية الماطرة، ومن إحدى دور التشكيل المطلة على مكتبة الملك فهد الوطنية، نظم «نادي النوى»، تحت مظلة هيئة الأدب والنشر والترجمة، ممثلةً بمبادرة «الشريك الأدبي»، أمسية بعنوان «قراءة في كتاب نسج الريح». وكان لمتذوقي الأدب موعد مع السرد في كتاب الدكتور عبد العزيز السبيل، الذي كان مادتنا التي رحلنا معها عبر الزمن لنناقش كيف يكون السرد وسيلةً شاملةً لأنواع الحكي المعروفة قديمًا وحديثًا؛ من الحكاية إلى القصة التراثية والقصة القصيرة، والرواية، والسيرة الذاتية، والمسرحية.
لقد أسعدني كثيرًا أن أكون جزءًا من الحراك الثقافي المتجدد الذي يشهده وطننا، وذلك من خلال مشاركتي مع «نادي النوى» ضمن برنامج «الشريك الأدبي» في نسخته الخامسة، في أمسية فكرية ممتعة خُصصت لقراءة معمقة في كتاب «نسج الريح». وأود أن أزجي وافر الشكر والتقدير لرئيسة النادي، الدكتورة أمل التميمي، على حسن التنظيم وحفاوة الاستقبال والدعوة الكريمة.
إن كتاب نسج الريح، الصادر عن المركز الثقافي العربي عام 2021، هو نتاج جهد نقدي رصين للدكتور عبد العزيز السبيل، جمع فيه مقالاته ودراساته التي نُشرت خلال سنوات متفاوتة عبر منابر ثقافية متعددة. ومن خلال الورقة التي قدمتها، بحثتُ في جوهر السرد بوصفه أداةً لبناء الهوية، مستندًا إلى مادة الكتاب التي ترحل بنا عبر الزمن لاستكشاف فنون الحكي وقدرتها على رصد تحولات واقعنا الثقافي ونضج هويتنا الوطنية.
ويُعد الكتاب مرجعًا مهمًا للراغبين في التعرّف إلى السرد وخصائصه، إذ جمع فيه السبيل مقالاته التي تناولت مفهوم المصطلح وتعريفاته، وبيّنت الفرق بين القصة القصيرة والرواية، وعلاقة هذا المفهوم بالمفاهيم الغربية، مع رصد تاريخي لفن القصة القصيرة في الجزيرة العربية. كما سلط الضوء على التجربة الروائية في المملكة العربية السعودية وأبرز أعمالها وروادها، مبيّنًا كيف كانت الصحافة هي الرحم التي خرجت منها القصة القصيرة.
بعد هذه المقدمة عن القصص وأهميتها، ننتقل إلى مستوى أبعد لنسأل: ما أدوات القصص؟ ربما عندما شاهد المعتمد بن عباد الريح وهي تنسج من الماء «زردًا» على نهر الوادي الكبير في إشبيلية - والزرد يعني السرد - تراءى لنا المعنى الذي نسج معه عبد العزيز السبيل فكرته في كتابه «نسج الريح»، حيث كان السرد هو الموضوع والمادة.
وتضمن الكتاب أيضًا رصدًا لأبرز تقنيات السرد، ومنها: توظيف الراوي، وبناء الحوار، واستخدام المونولوج والذاكرة، بوصفها أدوات تبني نسيج القصة بإحكام وجمال. ويُعد «نسج الريح» مرجعًا نقديًا مهمًا يثري فهمنا للسرد من المنظور الأدبي العربي، مؤكدًا أن النقد والتنظير لا يهدفان إلى فرض قيود على المبدعين، بل إلى بلورة خصائص الفن وتطوير آفاقه.
ويجدر بنا الإشارة كذلك إلى أن تقنيات السرد القصصي لم تعد حكرًا على الجانب الأدبي فحسب، بل امتدت إلى آفاق أوسع، إذ أصبح عالم الأعمال يستخدمها في التأثير والتسويق وترسيخ العلامات في ذاكرة المتلقي. ولذلك غدا السرد وتقنياته أدوات أساسية يحتاج إليها الإنسان في مختلف شؤونه ليضمن التأثير والبقاء.
ومنذ اللحظة الأولى التي يبصر فيها الإنسان النور في هذه الحياة، ويبدأ بالإنصات إلى الأصوات من حوله، يصل شيئًا فشيئًا إلى سماع القصص والتأثر بها، وقد تبقى معه ما بقي حيًا، وربما يورثها لمن بعده. إن تأثير القصص أكبر مما نتخيل في بناء العقل البشري وقدرته على الخيال والتأثير والفهم؛ فمن خلال القصص تُبنى السرديات الكبرى، وتُقاد الشعوب، وتُصنع الثقافات التي تبقى في الذاكرة وتنتشر. ولطالما كانت القصص وقودًا للانتشار، وأداةً للتأثير، وقوةً ناعمةً ذات أثر حقيقي يدوم في ذاكرة البشر.
إن الشعوب التي لا تمتلك سردية مؤثرة لا تنتشر آدابها، ولا تمتلك المناعة الكافية لحماية هويتها، بل يسهل التأثير عليها واقتلاعها من جذورها، فتعيش في ذاكرة قصيرة تذوب كما يذوب الثلج. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى:
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَ?ذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ?.
وفي ختام هذه الجلسة الثرية، خرجنا بتوصية تؤكد ضرورة إدراج «تقنيات السرد» مقررًا يُدرَّس في الجامعات؛ لتعزيز مهارات التواصل والتأثير لدى الأجيال القادمة. كما أوصينا بضرورة ترجمة هذا الكتاب إلى لغات عالمية؛ لما له من دور حيوي في نقل الفكر العربي والسردية السعودية إلى الآخر، وتعريف العالم بنضجنا الأدبي.
وقد شبّه فؤاد التميمي هذا العمل بكتب كبار الأدباء الذين جمعوا شتات مقالاتهم في مؤلفات خالدة، مثل عباس محمود العقاد في كتابه الفصول، أو ما قام به محمود سامي البارودي وغيره في جمع المقالات الأدبية التي أرّخت لمرحلة فكرية كاملة.
فلنجعل من السرد أسلوبًا للتواصل، كي نبقى في الذاكرة أطول.
** **
- رائد صالح الحميد