مقولة نقدية من أحد كبار النقاد العرب وهو ابن الأثير في كتاب المثل السائر ج 1 ص 178 يقول فيها ( فإنَّ أحسن الكلام ما عرف الخاصة فضله، وفهم العامة معناه)
هنا نجد قاعدة بيانية ترسم للناقد خارطة يحكم بها على الكلام عامة والشعر خاصة والمقولة تركز على عنصرين تجعل من الكلام يرتقي مرتبة عالية في البلاغة، الأول: فهم العامة للمعنى والثاني: معرفة الخاصة للفضل، وسنحاول تقريب القاعدة بشيء من التفصيل والتمثيل، يشير ابن الأثير إلى أن العمق في المعنى والوصول إلى غاية البيان لا يشترط التعقيد في اللفظ أو التصرف الكبير في التراكيب النحوية أو الإبهام في القول ولكن الحاذق في البيان هو من يصل بالتركيب السهل إلى مرام بعيد الدلالة، ويشير إلى أن قراء الشعر درجات، منهم العامي الذي يتوقف عند المعنى الأول للسياق وهذا يكفيه للوصول إلى غاية ترضيه فيجد المعنى العاطفي الذي يدغدغ شعوره، أو الحكمة التي تنير له طريق الحياة، أو الوصف الذي يلفت نظره لتفاصيل لم يصلها بنظره، ومنهم الخاصةُ من نقدة الكلام، وخبراء القريض، وعلماء البيان، وهذه الفئة لا تقف على المعنى القريب ولا تنخدع بالشعور الأول المتبادر إلى الذهن، بل يغوصون في القول، ويختبرون كل لفظ والإشارات التي يحملها، والوظيفة التي اضطلع بها في النص، فيصلون إلى ما فيه من بيان عميق وبلاغة مغلفة بالسهولة والقرب، ومثّل ابن الأثير بسياقات القرآن الكريم التي يسرها الله لكل قارئ ليفهم منها معانيها الأول ويكتفي بما يكشف له وجه السياق القريب فالقرآن يفهمه العامي والعالم وحتى الأمي، ولكنه يفهم منه وجه السياق الظاهر.
أما الخاصة من أهل العلم بالبيان، فبعد الغوص في تراكيبه وألفاظه، يعرفون من فضله ما لا يحصى من دقائق لا تجدها في غيره، ويكشفون النقاب عن كنوز بيانية لا تتأتى إلا لمن أدام النظر، وفتش ومحص في كل لفظ وإلى أين يأخذ المعنى كل حرف، وإشارة التفتيش تذكر في كتب النقاد الأوائل كثيرا للإشارة لأن العمق في المعاني واستكناه بيانها لا يتأتى من القراءة الأولى، أو القراءة السطحية للنصوص فها هو ابن رشيق في كتابه قراضة الذهب يشير إلى أن البعض يخالف في اسبقية امرئ القيس للشعراء واعتلائه عرش الشعر، مستغربا خلافهم في هذا، لأن الأمر – في رأيه - مجمع عليه وإن حصل الخلاف من البعض فإن ذلك نقص في تفتيشه وسطحية في قراءته ( امرؤ القيس هو المقدم لا محالة فإن وقع في ذلك بعض الخلاف فالمميز الحاذق بطرق البلاغة يجد في شعره من الفضيلة بنفسه ما لا يجده في شعر غيره من الشعراء والبحث والتفتيش يزيدانه جلالة ويوجبان له على سواه مزية ويشهد الطبع وذوق الفطرة على ذلك شهادة بينة واضحة لا تدركها شبهة اذا قصد الانسان العدل وترك التعصب ) والطريف أنه جعل كل خلاف في أفضلية امرئ القيس عائد إلى التعصب والحياد عن العدل!
ونعود إلى مقولة ابن الأثير فأوضح مثال عليها هو شعر امرئ القيس ذاته لأنه يخدع بسهولة تراكيبه وقرب معانيه بينما يخفي خلف هذه التراكيب السهلة عمقاً تقاصر دونه من خلفه من الشعراء، ومن هذا نخلص إلى العمق الذي يحث ابن الأثير الشعراء على الوصول إليه، وهو عمق يركب اللفظ القريب والأسلوب السهل، وقد فهم البحتري هذه المعادلة الصعبة، وعبر عن نهجه لها وسأمه من أولئك الذين أضاعوا القبلة في البحث عن العمق المنشود بتعقيد أشعارهم بالمصطلحات والتراكيب المنطقية، ظنا منهم أنهم أن تعقيد المعنى هو الطريق إلى العمق فقال:
كَلَّفتُمونا حُدودَ مَنطِقِكُم
في الشِعرِ يغني عَن صِدقِهِ كَذِبُه
وَلَم يَكُن ذو القُروحِ يَلهَجُ بِالـ
ـمَنطِقِ ما نَوعُهُ وَما سَبَبُه
وَالشِعرُ لَمحٌ تَكفي إِشارَتُهُ
وَلَيسَ بِالهَذرِ طُوِّلَت خُطَبُه
وفي قصيدة أخرى يشرح المسألة بشكل أوضح:
حُجَجٌ تُخرِسُ الأَلَدَّ بِأَلفا
ظٍ فُرادى كَالجَوهَرِ المَعدودِ
وَمَعانٍ لَو فَصَّلَتها القَوافي
هَجَّنَت شِعرَ جَروَلٍ وَلَبيدِ
حُزنَ مُستَعمَلَ الكَلامٍ اِختِياراً
وَتَجَنَّبنَ ظُلمَةَ التَعقيدِ
وَرَكِبنَ اللَفظَ القَريبَ فَأَدرَك
نَ بِهِ غايَةَ المُرادِ البَعيدِ
بعد ثنائه على ألفاظه ومعانيه، أورد القاعدة البيانية التي نقلها عنه ابن الأثير فأبياته تركب اللفظ القريب، أي تستعمل ألفاظا قريبة الفهم للقارئ الأول ولكنها بهذه الألفاظ تدرك المراد البعيد من المعاني العميقة الغامضة التي لا يعرفها إلا الخاصة الذين أشار إليهم ابن الأثير ..
وحتى يصل الشاعر الموهوب إلى هذا المستوى من إعطاء كل قارئ حقه من تذوق الشعر عليه أن يتسلح بالكثير من العلم يريش به موهبته لتكون سهما صائبا لك موضوع يرومه، فالعلم باللغة والمعاني وطرائق القول هي أدوات الشاعر وأسلحته.
ومن الأدوات التي يجدر بالشاعر الحذق بها ليصل إلى هذا المستوى، دلالات التراكيب النحوية العربية، والفروق اللغوية، والإشارات التي تحدثها في المعنى، فهي المادة التي يصنع منها شعره، وكلما زادت معرفته بالتراكيب ودلالاتها كانت خياراته أكثر وانتقاءاته أبرع وأسمى، ومن مزايا العربية النحوية، التي تتيح للشاعر خيارا عظيما لخدمة معناه، الاختلاف في الدلالة بين الفعل والاسم، ودلالة الثبوت والاستقرار في الاسم تقابلها دلالة التجدد والحركة في ا لفعل.
وأمثل على ذلك بقول: بشار بن برد في بيت من بائيته الشهيرة التي يراها البعض – وأنا منهم- أعظم قصيدة قيلت في العصر العباسي والتي مطلعها :
جفا وده فازور أو مل صاحبه
وأزرى به أن لا يزال يعاتبه
والبيت الذي أعنيه قوله:
فأوردها عرض السري وعينه
ترود وفي الناموس من هو راقبه
البيت مليء بالفن الشعري، ولكن الشاهد في المفردتين ( ترود ) و ( راقبه ) أورد الحمار الوحشي القطيع وهو خائف يترقب، لذلك ظلت عينه ( ترود ) أي تجول مراقبة للمكان بحذر شديد، واختار الشاعر المفردة بعناية بصيغة الفعل المضارع الذي يدل على الحركة، هذا المعنى الذي يضعنا به الشاعر في صورة المشهد، واستعان به على أداء المعنى الذي يحدث في نفس القارئ الانفعال.
بينما اختار كلمة (راقب) وهي اسم فاعل، ليصف الصياد الذي استقر في مكانه مراقبا، وهو صامت لا يحرك ساكنا، اختار الاسم راقب لأنه يعلم دلالة الاسم في اللغة، التي توحي بالثبوت والاستقرار.
فالصورة الناجمة في أذهاننا، بحركة الهدف، واستقرار المستهدف، نتجت عن استخدام اللفظ الذي يصنع الإشارة، والتعبير الذي يُلمح المعنى من خلاله لمحاً! وهكذا يصنع الشاعر فنه بمعرفته العميقة في أدواته اللغوية التي يسخرها لانفعالاته النفسية ويحقق الهدف من الشعر وهو إنهاض النفس، وزيادة انفعالها بواسطة اللغة، دون أن يحتاج أن يعتمد على العاطفة المصطنعة أو المبالغة الممجوجة، وهنا نفرق بين الشاعر المتقن الذي يصنع من الألفاظ التي يراها القارئ عادية قريبة من الفهم ولكن خلفها عمقا بعيد الغور في الشاعرية !
ونلاحظ أن القارئ العادي يفهم البيت من أول وهلة دون تعقيد أو إبهام ولكن القارئ العميق يعرف العمل الفني وينبهر بما خلف هذا المعنى القريب من دلالات لا يتقنها إلا شاعر يسبر اللفظ ويغوص به إلى أقصى حد ممكن من العمق هذا هو العمق الشعري الحقيقي وليس العمق الذي يدعيه من يركب تركيبا مظلما لا ينتج عنه حتى معنى سطحي، كما قال البحتري، ولا يعني اللفظ القريب أو المعنى المتناول أن يصل الشعر إلى الابتذال أو السطحية في اللغة فللشعر لغته الخاصة التي ترتفع عن مستوى النثر وتحقق شرف المعنى الذي عده المرزوقي أول بنود عمود الشعر التي سنها في مقدمته لشرح الحماسة.
وهذا المبدأ النقدي المستمد من أصول نقدية عربية يثير تساؤلا عن نمط من الشعر ناشئ في العقود الأخيرة وهو النمط الرمزي المتأثر بمدارس السريالية أو الوجودية – أو كما يقول بعض مريديه إنه مستمد من أصول عربية - كما نجده عند أنسي الحاج أو أدونيس وغيرهم من شعراء الرمز الذين امتطوا قصيدة النثر كثيرا والشعر الموزون قليلا، في هذا الشعر تحديدا يقع الإشكال لدى المتلقي في أول درجة من درجات الفهم وهو فهم التراكيب البسيطة فحين يقول أدونيس.
: تقاطعتِ في دمي قطعَتْ صدركِ أمواجيَ
انْهصرتِ لنبْدأ: نسيَ الحبُّ شفرَةَ الليل هل
أصرخُ أنَّ الطوفان يأتي؟ لِنبْدأ: صرخةٌ
تعرج المدينةَ والناسُ مرايا تمشي إذا عبَر الملحُ
يقف هنا العامي أمام الكلام باحثا عن معنى يفهمه فلا يجد، لأن ناظم الكلام تعمد أن يُبهم معانيه بتراكيب لا تتبع نمطا لغويا مرجعيا، هنا يتقهقر العامي من العتبة الأولى للمعنى، أما الخاصة وأهل النقد والتفتيش فإنهم على وجهين : فمنهم من يبدأ بابتكار معاني يلبسها الألفاظ بما يتناسب مع أفكاره هو لا أفكار الشاعر، أو معان مصدرها خارج النص ولا تقود إليه ألفاظه أو تراكيبه، وهكذا يسعف الناقد الكاتب ويبرئه من تهمة الإبهام والعيّ، أما القسم الثاني من الخاصة وهم من يحاكمون الكلام على مبدأ البيان العربي المستمد من نظرية النظم عند الجرجاني مثلا، فيتوقفون طويلا عند عتبة المعاني الأولى مفتشين عن معنى أول قريب ليأخذهم إلى المرام البعيد والمعنى العميق ولكنهم لن يجدوا هذا، فيكون حكمهم على النص ليس تجريده من صفة القول البليغ أو الأسلوب الفني المبين ولكنهم يجردونه من صفة الكلام أصلا، لأنهم يرون أن القول إن لم يفد معنى فهو ليس بكلام ويعامل معاملة حديث النائم وهذيان المريض!
** **
- مفلح البلوي