ليس كل من يربح جدالاً يمتلك الحقيقة، بل في بعض الأحيان يربح الأكثر مهارة في استخدام الحيل والأكثر التفافاً حول الحجة، وامتلاك مهارة كشف المغالطات لا يعني إفحام الخصم، بل إيصال الأفكار بوضوح بين المتحاورين، وكشف الاستنتاجات الوهمية بأسلوب لين وموجز وبعيد عن التكلف والتعالم، وهذه هي الغاية السامية من الحوار الهادف، يُعد كتاب»المغالطات المنطقية فصول في المنطق غير الصوري للمفكر والطبيب النفسي عادل مصطفى»علامة فارقة في حركة التفكير النقدي العربي المعاصر، المنطق غير الصوري فرع من فروع علم المنطق يهتم بتحليل وتقييم الحجج في مداولات الحياة اليومية، ويركز على محتوى الكلام وسياقه وصدق أدلته، ويهدف الى كشف المغالطات المنطقية في الحوارات، والمناظرات، وتعود جذوره إلى الفلسفة اليونانية القديمة، حيث وضع أرسطو حجر أساس هذا الفرع في كتابه (دحض السفسطائيين) إلا أنه لم يتبلور كمبحث مستقل إلا في الربع الأخير من القرن العشرين،على يد الفيلسوفين رالف جونسون وانتوني بلير، واتسعت دائرته ليرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحركة المعاصرة للتفكير النقدي،كما تعتبر نظرية الحجاج شكلا معاصرا للمنطق غير الصوري ،ومازال هذا المبحث في طور التكوين والتطور، يعتبر الكتاب مرجعاً لتأسيس بيئة حوارية عقلانية تتبنى قواعد الحوار الصحيح،حيث اعتمد المؤلف على إبراز مفهوم المغالطات المنطقية باعتبارها أنماطاً من الحجج الباطلة، تتخذ مظهر الحجج الصحيحة، وعمل على تشريحها وكشفها وتصنيفها، وتدريب القارئ على التعامل معها بمهارة نقدية، من خلال تشريح سيكولوجية الجدل وتحليل الدوافع النفسية الكامنة خلف ارتكاب هذه المغالطات، من خلال طرح الأمثلة والاقتباسات الأدبية، واستعرض الكتاب العديد من هذه المغالطات، من أبرزها الاحتكام الى الجماهير عن طريق ترويج فكرة بحجة أن الكثير من الناس يؤمنون بها، مما يجعل الكثرة معياراً للحقيقة، ومنها الاحتكام الى التهديد عن طريق التلويح بالعواقب، والشخصنة عن طريق مهاجمة شخصية المحاور والطعن في شخصه بدلاً من الرد على حجته، ومنها مناشدة الشفقة والاستمالة العاطفية بدلاًمن الإقناع العقلي، وليست كل لغة مشحونة بالانفعال والعاطفة هي مغالطة بالضرورة، ولكن يحدث أن تكون اللغة المشحونة بالانفعال فخاخاً عقلية تدفع الفرد الى استنتاجات تقويمية مغلوطة، ومن هذه المغالطات التعميم المتسرع عن طريق القفز الى استنتاجات عامة بناً على مقدمات ناقصة، ومن المغالطات طرح معلومات لاعلاقة لها بالموضوع لتشتيت انتباه الطرف الآخر بدلاً من مهاجمة حجته،ومنها أيضا أن تستعير الفكرة هيبتها من وجاهة المصدر وليس من وجاهة الحجة، ويقدم المؤلف أسساً فكرية رصينة ومكثفة تختزل فلسفة التفكير النقدي، للتعامل مع تلك المغالطات، فيرى أن المغالطة ليست مجرد خطأ في التفكير بل هي خطأ يرتدي مظهر الصواب ولها من الجاذبية ما يجعلها تنطلي على العقول غير اليقظة، ويرى أن غاية المنطق غير الصوري ليس إسكات الخصم، بل تمكين العقل من تقييم خطابات الحياة اليومية، فإجماع الأغلبية على أمر ما لايجعله حقيقة، الخطأ يظل خطأ لو اعتنقه ملايين البشر، والصواب يظل صواباً لو وقف مدافعاً عنه شخص واحد، وقبول الحشود لفكرة لايقدم ضماناً عقلياً لصحتها، ومن الخطأ أن نأخذ العطف مكان البينة ،وأن نأخذ الشفقة مأخذ الحجة، ومن المؤسف أن التهديدات سواء كانت ظاهرة أو مضمرة قد تخلق وهماً بأن هناك من تم إقناعه وثنيه عن قراره، ولأن المؤلف طبيب نفسي، لم يتعامل مع المغالطات ببراهين جافة، بل ربطها بالدوافع من خلال تشريح سيكولوجية الجدل وتحليل الدوافع النفسية الكامنة خلف ارتكاب تلك المغالطات المنطقية، مثل الكسل المعرفي، الخوف من العزلة، الانحياز التأكيدي والنزوع لما يتوافق مع المعتقدات السابقة، الأمر الذي منح الكتاب عمقاً تفسيرياً لتصديق تلك المغالطات بالرغم من بطلانها، وتبرز أهمية هذا الكتاب في كونه يعزز مهارات التفكير النقدي وينمي لدى الفرد مهارات تحليل وتقييم الحجج اليومية كما ترد في لغتنا العادية، من خلال التعريف بمفهوم المغالطة باعتبارها حجة تبدو مقنعة وصحيحة ظاهرياً، ولكنها تستند إلى أساس باطل أو استنتاج خاطئ وغير مترابط مع المقدمات، كما أن كشف المغالطة وتسميتها وتحليلها يقصي الحجة الباطلة من ساحة الحوار إقصاءً نهائياً، ولايكتفي بإضعافها وتحجيمها، ويعرّف القارئ بالنقلات الخاطئة، وصيغ الخطأ الاستدلالي أثناء الحوار، فالتفكير النقدي أداة حماية نفسية وفكرية، يحمي الفرد من الانصياع الأعمى للحجج الخاطئة، ويساعده على اتخاذ قرارات مبنية على مقدمات واقعية ونتائج منطقية، بعيداً عن الأوهام أو الانحيازات المسبقة،كما يهدف إلى تأسيس عقلية نقدية من خلال التدريب على عدم قبول الأفكار والادعاءات كمسلمات، بل إخضاعها للفحص والتمحيص العقلي، وكشف المناورات أثناء النقاشات والحوارات ما يسهم في التحرر من عيوب التفكير وعدم الوقوع في المغالطات، ورفع جودة الحوار.
** **
- هلا الجهني