لم أكن مجرد تلميذة، بل كنت حالةً مستعصية من «الجوع المعرفي»! كنت أريد أن أحتوي كل شيء، وأن أقرأ كل شيء، وأن أملأ كل فراغ متاح بضجيج أسئلتي التي لا تنام.
أصبحتُ عبئًا على معلمتي؛ طاقةً منفجرةً في جسد ضئيل، وإرادةً تريد أن تسبق الزمن وتطير قبل أن تطول الأقدام.
لم تكن المشكلة في عقلي، بل في «المتر» الذي يقيس طولي! كانت السبورات الجدارية شاهقةً، صلبةً، وبعيدةً كأحلام الكبار. كنت أقف أمامها عاجزة عن لمس طرفها، لكنني لم أكن أعرف الاستسلام؛ فقد كانت الرغبة في الوصول أطول من قامتي بكثير، حتى إن حماستي كانت تربك المعلمة، فتجرُّ لي كرسيًّا خشبيًّا كلما لمعت في عيني إجابة.
كنت أعتلي الكرسي كأنني أرتقي عرشًا، وأقبض على قطعة الطبشور كأنني أقبض على ناصية العالم، بينما كانت هي تقف خلفي، ويدها ترتجف قلقًا، وعيناها تلاحقان توازني الهش. كانت تخشى على جسدي الضئيل من السقوط، بينما كنت أخشى على فكرتي العظيمة أن تظل حبيسة الصمت.
كان الكرسي هو «الجسر» المؤقت، لكن المعلمة قررت، في لحظة تجلٍّ إنساني، أن تنهي هذه المعاناة. ومع الأيام التي تتبختر بفرصها، فاجأتني بأن أنزلت السبورة من مكانها العالي لتستقر تمامًا عند مستوى قامتي. لقد أدركت بحدسها أن الإتقان لا يحتاج إلى طول، بل يحتاج إلى وصول!
وحين استقرت السبورة على مستواي، طأطأت رأسها هيبةً وتواضعًا أمام رغبتي. لم تعد مجرد لوح للكتابة، بل صارت بساطًا سحريًّا ممدودًا تحت يدي. وهناك، وأنا أقف بثبات، من دون حاجة إلى كرسي يترنح، خططت أول حروف الحياة، وعرفت من ذلك الموقف أن العالم قد يكون عاليًا وبعيدًا، ولكن بالحب والإصرار يمكننا أن نجعل هذا العالم ينحني، حتى نتمكن من كتابة قصتنا عليه.
** **
- حلا عبدالرحمن الهلالي