رواية «فيلق الإبل» للروائي أحمد السماري تمثل واحدة من أبرز منجزات الرواية السعودية المعاصرة، لما تنطوي عليه من قدرة على استثمار التاريخ والبيئة الصحراوية والثقافة الشعبية في بناء رؤية سردية تتجاوز حدود المكان المحلي، وتنفتح على أبعاد إنسانية وحضارية واسعة.
فمنذ الصفحات الأولى، يتبدى الحضور الفاعل للسياق البيئي في تشكيل الأحداث وصياغة الرؤية السردية، في عمل يمتد جغرافيًا من القصيم إلى عدد من البلدان العربية، مثل العراق والشام ومصر والأردن وفلسطين، ثم إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، ضمن إطار زمني يمتد من منتصف القرن التاسع عشر حتى ثلاثينيات القرن العشرين.
وتعالج الرواية حدثًا تاريخيًا استثنائيًا، يتمثل في استعانة الولايات المتحدة الأمريكية بالإبل العربية لتسهيل عمليات النقل والإمداد، في مرحلة شهدت تحديات كبيرة هددت وحدة البلاد. وقد قدمت الرواية هذا الحدث من خلال شخصيات رئيسة، مثل مناور والحاج علي السالم وسليمان، الذين ارتبطت حياتهم بالإبل العربية، وأسهموا في مد جسور التواصل بين الشرق والغرب.
ويتوقف المقال عند حضور تجار العقيلات بوصفهم إحدى الركائز الأساسية في البناء الروائي. فالرواية لا تكتفي باستحضار نشاطهم التجاري، بل تكشف جانبًا من تاريخهم، حين عرفوا في بغداد باسم «فرقة أعقيل»، وأسهموا في حفظ الأمن خلال مرحلة مضطربة، الأمر الذي أكسبهم ثقة المجتمع والسلطة، ومهد لتحولهم لاحقًا إلى قادة للقوافل التجارية التي ربطت الجزيرة العربية بالعراق والشام ومصر وغيرها من البلدان.
كما أبرزت الرواية القيم التي اشتهر بها العقيلات، وفي مقدمتها الصدق والأمانة والوفاء، حتى غدت هذه الصفات جزءًا من صورتهم في الوعي الاجتماعي، وصار يضرب بهم المثل في المعاملات التجارية. ولم يقتصر دورهم على التجارة، بل امتد إلى الإسهام في بعض المشروعات الكبرى، ومنها المشاركة في أعمال حفر قناة السويس، وتطوير بعض الطرق التجارية، الأمر الذي جعلهم جديرين بالإهداء الذي صدر به الكاتب عمله الروائي.
ومن الجوانب المهمة التي توقف عندها المقال، معالجة الرواية للنظرة الاجتماعية التي كانت تقلل من شأن بعض المهن المرتبطة بتجارة المواشي. فقد تعاطت مع هذه القضية بذكاء ومن غير مباشرة، مؤكدة قيمة العمل الشريف، ومقدمة رؤية إنسانية تتجاوز الأحكام الاجتماعية التقليدية، وتعلي من شأن الخبرة والعمل والإنتاج.
ويشير المقال إلى المكانة المحورية التي احتلتها الإبل في الرواية، ليس بوصفها عنصرًا بيئيًا فحسب، وإنما باعتبارها كائنًا حضاريًا أسهم في تقريب المسافات بين الشرق والغرب. فالإبل في هذا العمل ليست مجرد وسيلة للنقل، بل عنصر فاعل في بناء الحضارة وتعزيز التواصل بين الثقافات المختلفة.
ومن خلال قصة انتقال الإبل العربية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تتجلى فكرة التكامل الحضاري التي تعد المحور المركزي في الرواية. فقد بدأت الحكاية مع الحاج علي السالم، الذي قادته الظروف إلى بيع مجموعة من الإبل للسلطات الأمريكية، قبل أن يسهم في جلب أعداد أخرى منها، لتنشأ بذلك تجربة «فيلق الإبل» التي تركت أثرًا في التاريخ الأمريكي.
كما أولت الرواية عناية خاصة بتفاصيل الرحلة البرية والبحرية للإبل، وما رافقها من مشاهد تؤكد عمق العلاقة بين الجمالة وإبلهم، واستمرار هذه العلاقة حتى بعد وصولهم إلى العالم الجديد. وقد أسهمت هذه التفاصيل في تقديم صورة إنسانية وحضارية تتجاوز حدود الحدث التاريخي نفسه، وتكشف عن طبيعة العلاقة التي ربطت الإنسان الصحراوي بمحيطه البيئي.
وعلى المستوى الفني، يلفت الدكتور عبده المحمودي إلى نجاح الرواية في توظيف عدد من التقنيات السردية، وفي مقدمتها تقنية الحكاية. فقد حضرت الحكايات الجزئية داخل النسيج الروائي بوصفها مكونات فاعلة في بناء المعنى، وأسهمت في إضاءة الشخصيات والقيم المرتبطة بها. ومن أبرز هذه الحكايات قصة الصراف البغدادي مع أحد تجار العقيلات، التي كشفت عن وفائهم وحرص أبنائهم على سداد ديون آبائهم بعد وفاتهم.
كما أبرزت الرواية طبيعة الحكاية الشعبية وما يصاحبها من مبالغات وإضافات تتراكم مع الزمن، وهو ما ظهر في حكاية مناور التي تحولت مع مرور الوقت إلى جزء من المرويات الشفهية المتداولة، وكذلك في بعض القصص التي تناقلتها الشخصيات أثناء الرحلات البحرية.
ومن التقنيات اللافتة أيضًا توظيف الاستباق والاستشراف، إذ نجحت الرواية في تقديم إشارات مبكرة إلى مصائر الشخصيات، الأمر الذي أضفى على السرد مزيدًا من الترابط والانسجام. وقد تجلى ذلك في نبوءة أم نهير لمناور بسفره إلى بلاد بعيدة، وفي الإشارات المبكرة التي مهدت لاستقرار الحاج علي السالم في الولايات المتحدة الأمريكية وزواجه من هيلين، قبل أن يختتم حياته هناك.
ويرى المقال أن هذه التقنيات الفنية أسهمت في إحكام البناء السردي، وربط المسارات المتعددة للرواية، ومنحتها قدرة على استيعاب التاريخ والخيال والحكايات الشعبية ضمن رؤية متماسكة.
ويخلص الدكتور عبده منصور المحمودي إلى أن «فيلق الإبل» تقدم تجربة روائية متفردة في الرواية الخليجية المعاصرة، استطاعت أن تجعل من الإبل العربية ومن تجار العقيلات عنصرين فاعلين في بناء رؤية إنسانية تقوم على التكامل الحضاري، وتؤكد أن الحضارات لا تتشكل بالصراع وحده، بل بالتفاعل والتواصل وتبادل الخبرات والقيم المشتركة. ومن خلال هذا المنظور، نجحت الرواية في تقديم صورة تؤكد وحدة التجربة الإنسانية، وتبرز الدور الذي يمكن أن تؤديه الثقافة والبيئة والتاريخ في صناعة جسور التواصل بين الشعوب والحضارات المختلفة.
** **
د. عبده منصور المحمودي - أكاديمي وناقد أدبي (اليمن)