يقترب الطاهر بن جلون من أكثر التجارب الإنسانية إيلاماً وحميمية؛ تجربة تلاشي الذاكرة وانطفاء الذات تحت وطأة الزمن. وأن الإنسان حين يبدأ بفقدان صلته بماضيه، وإلى الذاكرة حين تتداعى فتأخذ معها ملامح الهوية وأصداء العمر الطويل.
منذ الصفحات الأولى، تتشكل صورة الأم في فضاء من الحضور والغياب معاً. فهي حاضرة بجسدها، غائبة بذاكرتها، وكأنها تقف على الحد الفاصل بين عالمين؛ عالم ما تزال تتردد فيه أصوات الأمس، وعالم آخر يتسع للنسيان شيئاً فشيئاً. ومن هنا تنبع المأساة الحقيقية في الرواية، فالفقد لا يقع دفعة واحدة، وإنما يأتي متدرجاً، بطيئاً، متخفياً في التفاصيل الصغيرة التي تترك في النفس أثراً أشد قسوة من الغياب النهائي.
تكتسب الرواية قيمتها الفنية من قدرتها على تحويل تجربة شخصية إلى تجربة إنسانية عامة. فالأم لا تظهر باعتبارها فرداً بعينه، بل تصبح صورة للأمومة في لحظة أفولها، وصورة للإنسان حين يواجه هشاشته المطلقة أمام الزمن. ولهذا يتجاوز النص حدود السيرة الذاتية ليغدو تأملاً عميقاً في المصير الإنساني وما يرافقه من فقد وتحول وانكسار.
وتنهض ثنائية الذاكرة والنسيان في قلب البناء الدلالي للرواية. فالذاكرة ليست مخزناً للأحداث والوقائع فحسب، بل هي الحاضنة التي تتشكل فيها الذات وتستمد منها شعورها بالاستمرار. وعندما تتشقق هذه الحاضنة وتتسرب منها الذكريات، يبدأ الإنسان بفقدان شيء من وجوده الداخلي. لذلك يبدو النسيان في الرواية أكثر من عارض صحي؛ بل إنه صورة من صور الموت البطيء، أو غياب يتقدم بخطوات هادئة نحو أعماق الروح.
أما اللغة في رواية الطاهر بنجلون، فتأتي مشحونة بحساسية عالية، متحررة من الزخرفة المفرطة، وقادرة على ملامسة المناطق الأكثر خفاءً في التجربة الإنسانية. ويبدو الحزن في النص هادئاً وعميقاً، لا يعتمد على الانفعال المباشر، بل يتسلل عبر المشاهد اليومية والتفاصيل العابرة التي تكشف حجم الفقد دون حاجة إلى التصريح به. وهذه القدرة على الإيحاء من أبرز مواطن القوة في هذه الرواية.
ويحتل الزمن مكانة محورية في العمل؛ فهو القوة الخفية التي تحرك الأحداث وتوجه مصائر الشخصيات. كل شيء يتراجع أمامه: الجسد، والذاكرة، والعلاقات، وحتى اليقين الإنساني بقدرته على الاحتفاظ بما يحب. ومن هذا المنطلق تبدو الكتابة لنصوص الرواية محاولة لمقاومة الفناء، ومحاولة لتثبيت ما يهدده المحو. فالسرد يتحول إلى فعل وفاء للأم، وإلى وسيلة لإنقاذ صورتها من العتمة التي ينسجها النسيان حولها.
وتثير رواية «عندما تترنح ذاكرة أمي» أسئلة أخلاقية وإنسانية تتصل بعلاقة الأبناء بآبائهم في مرحلة الشيخوخة. فحين تصبح الأم عاجزة عن حماية ذاكرتها، يتولى الابن مهمة الحفظ والتذكر، وكأنه يحمل عنها عبء ما عجزت عن الاحتفاظ به. وفي هذا التحول تبرز أسمى معاني الوفاء والمحبة، بعيداً عن الشعارات أو المواقف المعلنة.
وفي المحصلة، تقدم «حين تترنح ذاكرة أمي» نصاً إنسانياً بالغ العمق، يمتزج فيه الوجع بالتأمل، والاعتراف الشخصي بالسؤال الوجودي. إنها رواية تستنطق هشاشة الإنسان أمام الزمن، وتكشف أن الذاكرة ليست سجل للماضي فقط، بل الركيزة التي يقوم عليها معنى الوجود نفسه. ولهذا تظل هذه الرواية عملاً مؤثراً يلامس القارئ في منطقة شديدة الخصوصية، وصورت الإنسان وخساراته وفداحة الفقد حين يتقدم بالعمر. رواية جميلة وذات لغة عالية تنقل القارئ إلى عمق أحداثها كأي رواية صيغت بمهارة كاتب متمكن.
** **
- براك البلوي