لم تكن جبال وأودية شبه الجزيرة العربية مجرد تضاريس قاسية صاغتها عوامل التعرية، بل متحفاً مفتوحاً ما زال يعرض لنا واحدة من أبكر النقوش والرسومات الصخرية في التاريخ، يعود أقدمها إلى العصر الحجري الحديث.
تروي لنا هذه الفنون كيف اتخذ الإنسان القديم من واجهات الحجر الرملي والبازلتي لوحة فنية لتدوين وجوده، تاركاً لنا لغة بصرية أخاذة وفائقة الجمال تصوّر حكايات صيده، ورعيه، وغالباً معتقده، وقصص ترحاله بين أقاليم شبه الجزيرة المختلفة.
تكتسب دراسة النقوش الصخرية في الجزيرة العربية أهمية استثنائية، فهي لا توثق فقط محاولات بدائية فنية، بل هي سجل خالد من العصر الحجري الحديث (النيوليتي) ومن العصر برونزي حتى العصر الحديدي يرصد التحولات المناخية الكبرى؛ فمن صور الزرافات والفيلة والأسود والفيلة التي كانت ترتع في مروج حائل شمالاً، إلى تصوير القوافل والحروب في منطقة حمى نجران جنوباً، وصولاً إلى رموز الملاحة وصهر النحاس في سواحل الخليج وجبال عُمان شرقاً، نجد أنفسنا أمام وحدة حضارية ممتدة رغم تباين أقاليمها الفنية.
اعتماداً على فرضية تواجد الجزيرة الخضراء في وسط وشمال شبه الجزيرة العربية وذلك قبل 10000 إلى 6000 سنة، وفرضية واحة الخليج العربي الذي كان حوضاً خصباً قبل حوالي 75000 إلى 8000 سنة، يمكن ربط هجرة الإنسان العاقل من إفريقيا سواء عبر الممر الشمالي من نيسان إلى شمال غرب شبه الجزيرة قبل 120000 إلى 200000 سنة، أو فيما بعد عبر الممر الجنوبي من القرن الإفريقي إلى اليمن؛ بظهور أقدم الفنون الميدانية في شبه الجزيرة متوزعة بفترات زمنية متباينة بين ثلاثة أقاليم فنية كبرى، وهي: إقليم الشمال والوسط بأسبقيته الفنية ومساحته الضخمة منذ حوالي 10000 سنة خلت، وإقليم الساحل وعُمان برموزه المرتبطة بحضارتي دلمون ومجان منذ حوالي 5000 سنة، وإقليم الدرع العربي بديناميكيته وتوثيقه للممالك ولنشأة الخط منذ 3000 سنة. ومن خلال هذا الربط، يمكن استبيان كيف استجاب فنان الصخر في شبه الجزيرة لبيئته المحلية، وكيف تحولت الجزيرة الخضراء بغاباتها المطيرة، التي كانت يوماً ما ترتع في وسط وشمالي شبه الجزيرة العربية، إلى طرق تجارية عالمية ربطت الشرق بالغرب، تاركةً لنا إرثاً بصرياً يُعد الأضخم والأكثر تنوعاً في العالم القديم.
** **
- م. عبد الرحمن ماجد الشهيوين