في كلمته التي ألقاها في الندوة التي أُقيمت بمركز حمد الجاسر الثقافي احتفاءً بمرور خمسة وسبعين عامًا على إصدار الشيخ حمد الجاسر لمجلة «اليمامة»، قال الأستاذ عبدالله الصيخان، المشرف على تحرير المجلة: «لعل من أهم السمات التي تميزت بها هذه الصحف أن مؤسسيها كانوا من الأدباء، ويحملون إيمانًا راسخًا بأن الثقافة هي اللبنة الأولى، إلى جانب التعليم، في بناء الإنسان، ومن الطبيعي أن تهتم هذه الصحف بالأدب بمختلف ألوانه، وبالمقال، مما أسس للنهضة الأدبية الأولى، التي ظهر من خلالها جيل الرواد الذين أثروا الحقل الأدبي بإنتاجهم، ومهدوا لنشوء أجيال من الأدباء والمثقفين».
لن أشرح هذه القطعة الموزونة والمحمّلة بكل ما تستدعيه المهمة الثقافية من أجل إيصال رسالتها الأساسية، وضمان ديمومة مسيرتها الوطنية التي تجاوزت حدود الوطن إلى خارجه، ولكني أردت اقتناص الكلمة الأهم في سيرة معروفة، هي سيرة مجلة «اليمامة» التي ولدت عام 1952م.
فعندما أتيت إلى هذه الحياة كانت المجلة في ريعان شبابها، ولأن الرحلات تبدأ وتمضي، وتلتقي وتعبر وتواصل، فقد ترأسها عدد من المثقفين الأفذاذ، واحتضنت تجارب عديدة، وهم اليوم يكتبون عن تاريخهم معها. ولما شبّ قلمي وصار جاهزًا للصعود إلى مسرح الكتابة الأنيق، دخلت المجلة من بابها الرئيس صباح أحد الأيام، وصرت أنتظرها كل خميس. لم تكن تتأخر، لكنها كانت تغير مواعيد صدورها في رمضان، فأحترق شوقًا حتى أرى مقالتي وقد أشرقت في صفحاتها. فمن هو المشرف على بابها الرئيس؟
عبدالله الصيخان، اسم لشاعر ومثقف عريق تعرفه الصحافة العربية جيدًا، يشرف على تحرير «اليمامة» منذ عام 2018م. وقد أتيت اليوم لا لأكتب عن مهنية إدارته الثقافية، فهذا موضوع تتناوله المحافل ويشهده جمهور المجلة في الوطن العربي، وإنما أتيت لأكتب عن موقف التقت فيه المعاني الإنسانية والإبداعية والثقافية.
فلم يستوقفني عنوان العدد الخاص بالخمسة والسبعين عامًا، بقدر ما استوقفتني قوة الإنسان وطبيعته التي سارت بهذه المجلة حتى أوصلتها إلى هذا العمر المديد، وهي ممتلئة بالقصص والتجارب والإنجازات والأخبار والوقائع والتاريخ.
إن عمر المجلة هو مجموع أعمار القادة الذين حملوا على عاتقهم رسالتها، تلك المجلة التي أخذت من اسمها كل شيء، وآمنت بأن الثقافة جسر إنساني جوهره العطاء والمحبة، فمدّت أذرعها للجميع دون استثناء، فكان طبيعيًا أن يفرح بها الجميع ويحتفلوا معها.
أنا هنا لا أتحدث عن المجلة، بل عن الإنسان الذي قدّمها إليّ، والمشرف على تحريرها، الشاعر الأستاذ عبدالله الصيخان، الذي استوقفني تعليقه الإنساني على صفحته في «فيسبوك»، مرفقًا بصورة غلاف العدد الخامس والسبعين، إذ كتب:
«كنت في المرحلة الثانوية حين دسست في يد موظف البريد في تبوك قصيدتي الأولى إليها، وحين رأيتها منشورة طرت من الفرحة، وحملتها معي إلى المدرسة، ونمت وهي تشاركني وسادتي والحلم. ومنذ ذلك الزمن كنت أحمل الحب والامتنان لها، وتوالت رسائلي إليها كمن يكاتب حبيبته.
ولعل من حسن حظي أن أكون ضمن فريق اليمامة اليوم وهي تحتفل بإشعال خمسة وسبعين شمعة، ولعلي لن أكون حاضرًا وهي تحتفل بمئويتها، وسيكون جيل جديد من محرريها هم الذين يدفعون قطار الوعي والثقافة بها.
قد أكون ذكرى في مقال، أو صورة على حائط في ممر أعبره كل صباح وأنا أفكر في موضوع الغلاف للعدد القادم، ولمن سننشر من هؤلاء الكتاب الجدد من شبان وشابات بلادي الموهوبين، الذين تصل مقالاتهم وبين سطورها رعشة قلوبهم وهم يبعثون لأول مرة بمقالاتهم إلى مطبوعة، ليجدوا مساحة للنشر، فأتذكر تلك اللحظة التي دسست فيها رسالتي في يد موظف البريد، وأبتسم».
قرأت هذا النص الذي يعيد الإنسان إلى أعماق الشعور، تلك اللحظة التي تقترن فيها الأمنيات بالأحلام، والأحلام بالقصص التي تشكل تجربة الإنسان مع مرور الزمن.
لم ينسَ الصيخان تلك الرعشة التي دشنت سيرته الشعرية والثقافية، ولأن النفوس تكشف معادنها بمرور الزمن ورسوخ التجربة، فقد تشكلت إنسانيته الشاعرة بالآخر، أعني الكتّاب والشعراء من الأجيال اللاحقة.
وفي هذه اللحظة، اقترنت الذكرى بنظيرتها، فتذكرت كيف دارت بي الأيام عندما توقفت صحيفة «الشرق» عن الصدور، ثم جاءت «آراء سعودية» وتوقفت هي الأخرى بعد فترة. كانت الصحف والمجلات العربية متاحة، وكنت أنشر في بعضها، لكن الوطن هو الوطن، كما أن الأم هي الأم.
كنت أتفقد الصحف والمجلات السعودية بحثًا عن مرسى أخضر آمن أحط فيه حمولاتي الفكرية والأدبية، ومنبر راقٍ يحفزني على الكتابة بما يليق بي وبه، فاستقبل الصيخان مقالتي الأولى.
سألته: هل يمكن أن أكتب على صفحتي خبر انضمامي إلى المجلة؟ فقال: «نعم، نتشرف بك، والله يوفقك».
شعرت بأنني وجدت مساحة ثقافية في وطني، وثقت بي قبل أن تقرأ مقالاتي. ولم أكن على تواصل مع الصيخان قبل ذلك، ولأني من جيل الشباب في المنطقة الشرقية، وقد قدمت للثقافة والصحافة باسمي وقلمي وأوراقي الشخصية، ظننت أنه لا يعرفني، لكنني شعرت في رده بمعرفة سابقة، ولعل شيئًا من كتاباتي قد مرّ على طاولته أو شاشته.
المهم أنني حصلت على جدار في المجلة أملؤه كل خميس بما أشاء، وأتحمل بعد ذلك النتيجة.
ومن هنا أستطيع القول إن لكل كاتب محطات في حياته الثقافية، تمتلئ بالأشخاص والمواقف، وتظل الذاكرة السجل الأكثر دقةً ووفاءً.
** **
- رجاء البوعلي