«غدًا عندما أعمل في مصنع، ما أفعل بمعلقة عنترة؟ أو عندما أصبح رجل أمن، ما يفيدني علمي بمكونات مذنب هالي؟ وهل سأستفيد من معرفتي بتاريخ الخلفاء العباسيين عندما أعمل بالتجارة؟ وهل من مكان للنظرية النسبية الخاصة في المستشفى عندما أعمل فيه؟»
خلال ما يربو عن ربع قرن من عملي في التعليم العام كنت -وما أزال- أواجه هذه الأسئلة ومثيلاتها من أبنائنا الطلاب على تعدد دفعاتهم واختلاف مشاربهم، الأمر الذي جعلني أحار في سبب توارد هذه الأسئلة على خواطرهم بالرغم من تغير المناهج الدراسية أكثر من مرة زمان عملي، هل المعرفة قِطَع متناثرة هنا وهناك لا يجمعها شيء؟ أم هي كخرز العقد ينظمها سلك واحد وتظهرها اليد التي تجمعها بخير حال وأحسن صورة؟
سأضع في هذه السطور خلاصة تجربتي في التعليم العام فلا تعجل عزيزي القارئ وتكرّم بصبرك عليّ حتى أبين لك ما أريد خطوة خطوة:
في البدء، قبل أن توجد المدارس والجامعات والمختبرات والنظريات، كان الإنسان البدائي يقف في جوف الليل، تحت قبة السماء المرصعة بالنجوم، يسأل: من أنا؟ وما أكون؟ ومن خلق هذا الكون البديع؟ وما الغاية من وجودي؟ كان هذا السؤال هو الشرارة التي أطلقت العقل البشري في رحلته لفك «شفرة» الوجود.
في حضارتنا الإسلامية خاصة، لم يكن هذا السؤال ترفًا فلسفيًا، بل كان أصل المعرفة كلها. كان السؤال القرآني يُجلجل في قلب المؤمن: (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ). هذا ليس سؤالا جيولوجيا منعزلا عن سؤالِ أحياءٍ منعزلٍ عن سؤالِ فيزياءٍ، هذا سؤال كوني واحد، يربط بين الجَمَلِ والسماء والجبال والأرض في آية واحدة، ويربط كل ذلك بالخالق سبحانه. كان السؤال كلاً واحداً، والمعرفة كلّاً واحداً، والعالِمُ هو ذلك الإنسان الذي وَسِعَ عقله وقلبه هذا الكل، فماذا فعلنا نحن بعد ألف عام من هذا الإشراق؟
لقد دخلنا إلى أبنية مُصْمَتَةٍ نسميها مدارس وجامعات، وأخذنا ذلك السؤال القرآني الكبير، وفصلناه إلى مئات الشظايا المتحجرة. قلنا: هذه «مادة أحياء» لدراسة الإبل، وهذه «مادة علوم الفضاء» لدراسة الفَلَك، وهذه «مادة جغرافيا» لدراسة الجبال والأرض ووضعنا كل شظية في غرفة منعزلة، وأغلقنا الأبواب، ونسينا أن الآية الكريمة التي أنزلها الخالق سبحانه لا تعرف هذه الجدران والحواجز، ثم قلنا للطلاب: تعلموا، فتعلموا شظايا، لكنهم نسوا الآية. نسوا أن الإبل والسماء والجبال والأرض كانت في كلام الله جملة واحدة، لأنها في الوجود والحقيقة جملة واحدة، تشير كلها إلى الخالق الواحد الأحد، نسوا أنها هي نفسها التي ألهمت الشعر، وهزت الوجدان، وأشعلت السؤال الفلسفي الأول، لقد قطّعنا المعرفة الحية إلى أوصال، ثم تعجبنا لماذا صارت جثة هامدة لا روح فيها، ولماذا صار الطلاب يسألون بمرارة: «لماذا ندرس هذا؟». إنها ليست أسئلة تمرد، بل صرخات فطرة تبحث عن ذلك الربط الإلهي الغائب، عن تلك الوحدة التي أدركها أجدادنا حين كان «الفقه» يعني الفهم الشامل لأمر الدين والدنيا، لا مجرد أحكام الطهارة والصلاة.
أرعني انتباهك عزيزي القارئ: إن الفكرة التي أطرحها اليوم ليست دعوة لتعديل المناهج، بل هي دعوة لإعادة بناء جوهر التعليم من الصفر على القاعدة الربانية. إنها فكرة جريئة، جذرية، وقد يراها بعضهم صادمة، ويراها آخر حالمة أفلاطونية، لكنها تنبع من صميم أزمتنا الحضارية: أن نلغي عزلة التخصصات الدراسية إلغاءً كاملاً، ونستبدل بها منهجاً تعليمياً قائماً على «أسئلة الوجود الكبرى» مستمدة من الوحي الإلهي لا مادة اسمها «فيزياء» وحدها، ولا «تاريخ» وحده، ولا «أدب» وحده. بل هناك سؤال قرآني كوني كبير، تذوب فيه الحدود بين المعارف، كما تصب قنوات الأنهار في البحر.
تأمل معي -أيها القارئ الكريم- هذا المشهد: طالب في الرابعة عشرة من عمره، يعيش عامًا دراسيًا كاملاً عنوانه سؤال واحد: «ما معنى الاستخلاف في الأرض؟». هذا ليس عنوان حصة، بل عنوان رحلة إيمانية عقلية تمتد لأشهر. في هذا الأسبوع، يدرس قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، ويتدبر تفسيرها عند الطبري وابن كثير والرازي، ثم يقرأ في الفلسفة عن مفهوم المسؤولية الأخلاقية، وفي علم الاجتماع عن دور الإنسان في العمران كما شرحه ابن خلدون، وفي علم البيئة عن التوازن الطبيعي الذي أمرنا الله بعدم الإفساد فيه، وفي الاقتصاد عن معنى الرزق والعدالة في توزيعه، وفي العمارة والفن الإسلامي عن تجسيد معنى «إعمار الأرض» بالجمال والأنسنة لا بالخرسانة فقط، ثم يطّلع على أشهر ما أنتجته الحضارة الغربية في هذا المجال فيقرأ تأملات القديس أوغسطين في طبيعة الشر في النفس البشرية، وتأثر الفارابي بمدينة أفلا طون الفاضلة، ونظرات دوستويفسكي للإنسان في رواياته. هنا، يلتقي التفسير بعلم الاجتماع، ويمتزج الفقه بالاقتصاد، وتقف الفيزياء إلى جنب الأخلاق، لا كأعداء، بل كلبنات تكمل بعضها في بناء واحد هو الاستخلاف في الأرض. الطالب هنا لا يسأل «ما فائدة دراسة دورة المياه في الطبيعة؟»؛ لأنه يفهم الآن أنّه إنْ أفسدها فقد خان أمانة الاستخلاف التي خلقه الله تعالى من أجلها. لم نعد بحاجة لتبرير العلم؛ لأن السؤال القرآني ذاته صار هو الباعث، والغاية الأسمى هي رضوان الله بإعمار كونِه.
وتخيلوا مسارًا آخر عنوانه: «كيف قامت حضارتنا؟ وكيف تسقط الحضارات؟». هنا، لا يدرس الطالب تاريخ الأندلس كوقائع جامدة من الماضي وتأريخ سنوات يحفظها للامتحان، بل يمسك بمشرط الجراح ليقوم بتشريح جثة حضارة سقطت؛ ليتعلم كيف يُبقي على حضارته ومكتسباته حية. يدرس إلى جانب التاريخ، جيولوجيا الموارد ونضوبها ليفهم أزمة المياه التي عصفت ببعض المدن، ويدرس علم اجتماع التفاوت الطبقي ليرى كيف أكل الظلم والربا جسد الأمة، ويقرأ شعر أبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس: «لكل شيء إذا ما تم نقصان...»، ويتأمل في فلسفة التاريخ عند الماوردي وابن خلدون، ويدرس دور العقيدة في تحصين العقول ضد الاحتلال الثقافي، ودور الوعظ والرقائق في إحياء القلوب. إنه لا يدرس «مواد»، بل يبحث عن إجابة لسؤال واحد يحرقه: كيف نصنع مجدًا لا يسقط؟ هذا طالب لن يسأل عن فائدة التاريخ، لأنه يراه مرآةً يرى فيها وجه أمته، وجرس إنذار يدق في ضميره.
إن هذا التحول يقلب موازين التعليم قلبًا، إنه يحول المعلم من موظف ينقل «معلومات» متحجرة، إلى عالم رباني مربٍّ، وإلى عضو في «مجلس حكمة» يذكرنا بمجالس الخلفاء والعلماء. لن يكون هناك «معلم فيزياء» منفرد، أو معلم جيولوجيا منعزل، بل سيجلسان مع معلم التربية الإسلامية ليسألاه معاً: كيف نفهم قوله تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا)؟ فيزيائيًا وإيمانيًا. وستجلس معلمة الأحياء مع معلمة الفقه لتسألا: متى تبدأ الحياة بيولوجيًا؟ ومتى تتعلق بها الأحكام الشرعية؟ سيتحول المعلمون إلى طلاب علم كبار، يتعلمون من بعضهم بعضا أمام أعين طلابهم، في نموذج حي للتواضع الفكري، كما كان الإمام الشافعي يقول: «ما ناظرت أحداً إلا تمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه». أما الطالب، فسيتحول من مراهق تائه يسأل: «لماذا أنا هنا؟»، إلى شاب يدرك أنه المخلوق الذي استخلفه الله في أرضه، يحمل أمانة عظيمة، فيصبح التعليم عبادة، والبحث العلمي مفتاحًا للأفكار المغلقة، والمدرسة محرابًا للفكر، لا سجنًا للأسئلة.
إن هذه الدعوة، بجذريتها وتجذرها في صميم هويتنا، ستصطدم بجدران غليظة؛ لأنها ستصطدم ببيروقراطية وزارية أرهبها سؤال: كيف سنصمم جدول الحصص؟ كيف سنضع الامتحان؟ وكأن الغاية صارت هي الجدول والامتحان، لا صناعة الإنسان المستخلف في الأرض. وستصطدم بـ «خبرة» المتخصص الضيق الذي أمضى عمره في بئر معرفي واحد، يخشى أن يفقد بريقه إن خرج إلى رحابة القرآن والكون. وستصطدم بخوف بعض الأهالي: «لكن كيف سيدخل ابني كلية الطب؟». هذا سؤال نرد عليه بسؤال: أي طبيب تريد؟ أتريد طبيبًا يرى المريض مجموعة أعضاء منفصلة، أم طبيبًا يرى فيه إنسانًا مكرمًا، استخلفه لله تعالى، له روح قبل أن يكون له جسد؟ ألسنا نحن من نشكو اليوم من مهندسين خرّبت عمارتهم روح المدن الإسلامية، وأطباء نسوا أن الشفاء بيد الله أولاً، وقانونيين فصلوا القانون عن روح الشريعة ومقاصدها؟ لقد صنعهم هذا النظام التعليمي القائم على تقطيع المعرفة، فلا نلومهم وحدهم، وإنما لنقم بتغيير أسلوب اغترافهم للعلم والمعرفة.
في أعماق تراثنا، كان أجدادنا موسوعيين، لأنهم فهموا أن المعرفة كلٌّ لا يتجزأ، يشير إلى الواحد الأحد. كان ابن سينا طبيبًا وفيلسوفًا وفقيهًا وفيزيائيًا وشاعرًا، لأنه كان يبحث عن «الحقيقة» الواحدة. وكان الغزالي فقيهًا ومتكلمًا فيلسوفًا ومربيًا، لأنه كان يبحث عن «اليقين». وكان البيروني رياضيًا وفلكيًا ومؤرخ أديان وجغرافيًا، لأنه كان يتدبر قوله تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ). لقد أدركوا أن الآيات في الآفاق والأنفس تقرأ معًا، لا أن تقرأ آيات الأنفس في كلية الطب، وآيات الآفاق في كلية العلوم، وبينهما سد منيع.
لقد قتلنا الحكمة حين قطّعنا المعرفة، وحوّلنا لوحة الخلق الفنية إلى قطع متنافرة يدرسها كل طالب في زنزانة منعزلة. ثم نتعجب لماذا ضعف الإبداع، وماتت الدهشة، وندر «الفقهاء» بمعنى الكلمة الشامل. آن الأوان لهدم تلك الجدران الوهمية التي بناها جهلنا، لا علمنا. آن الأوان لنعيد ربط سؤال «من أنا؟» بسؤال «من خلقني؟» وبسؤال «ماذا أفعل في هذه الأرض؟». آن الأوان لنقول لأبنائنا بصدق: لن نعلمكم «مواد»، بل سندخل معكم في رحلة للبحث عن الحقيقة، في المدرسة النبوية التي كانت غار حراء أولى حصصها، حين نزل الوحي بمفتاح العلم الأول: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ). اقرأ.. لا الرياضيات وحدها، ولا النحو وحده. اقرأ باسم ربك الذي خلق كل شيء، ففي هذا الاسم الأعظم تتوحد كل العلوم، وتبدأ كل حكمة، وينبلج فجر كل حضارة.
** **
- د.عبد الرحمن بن عبد الله القعيمي