في المستطيل الأسمر الذي تتكسر على طرفه الغربي أمواج البحر الأحمر وعلى طرفه الشرقي تسمع رفرفة أجنحة جبل رضوى الشامخ وهو يحلق على ارتفاع 2,170 متراً فوق سطح البحر بمحافظة ينبع وُلد للشيخ سعيد الرفاعي ابنٌ سماه سعداً يجيد التحدث بثلاث لغات: العربية الشعرية والروائية العالمية والتوثيقية الاستثنائية التي لا تشبه سائر اللغات.
وأبجدية هذه اللغات هي حروف الإبداع وحروف الوفاء وفي فضاء هذه الثنائية الوجدانية يتحرك على أقدام من حرير مشروع ورؤية الابن سعد الذي كبر وأصبح يقود مجتمعه لينهض، وقومه ليسبقوا وطلابه ليبدعوا، والنوارس من حوله لتتحرر من قبضة الزفيف.
مشروع لا يكتفي برصد ملامح الطين والتاريخ، بل يعيد صياغة ذاكرة الساحل بلغة الضوء جاعلاً من حكايات الصيادين وأهازيج المرفأ وكسرات العشاق منارات معرفية عابرة للأجيال فهو المثقف القادر على تحويل الحرف بين يديه إلى مجداف من الوعي تعبر به قوارب المدينة نحو آفاق جديدة من الأمل.
ويسكب من حبر الانتماء ما يثبت الهوية البحرية والجبلية ويجمع بينهما.
إن كتابات الدكتور سعد وثيقة حية تمنح «ينبع» نبرة صوتها الخاصة وتمنح المكتبة العربية إرثاً ينبض بالعراقة وسمو الفكر.
ليس بوصفه مجرد قامة ثقافية عابرة بل بصفته معمارياً يبني وعي الشباب عبر بوابات متلازمة التربية المنهجية والإبداع الأدبي والتوثيق التاريخي.
إن سيرة الدكتور الرفاعي تمثل نموذجاً للمثقف الأنيق الذي جعل من أبيات الشعر رسالة تربوية مدوية صاغها من مخزون الحكمة ومن الكتابة قضية تتصدر ملفات ومحاور كل النقاشات.
وهذه القراءة النقدية الخاصة هنا تحاول تفكيك منجزه الإنساني والإبداعي وتلمّس مواطن التميز في مسيرته التي امتدت لعقود من العطاء المعرفي والاجتماعي.
أولاً: (من الفصول إلى التخطيط التربوي)..
إن فهم واستيعاب العمق الإبداعي والبحثي في نصوص الدكتور سعد الرفاعي يستلزم بالضرورة استقراء مسيرته الطويلة في حقل التعليم فالشاعر والباحث هنا هو «التربوي الممارس» الذي خبر عقول الناشئة عن قرب وخاض التجربة ولامس تفاصيل بيئته.
فقد انطلق الشاب الرفاعي من القواعد التعليمية الأولى حيث عمل معلماً ثم وكيلاً في المرحلة الابتدائية ثم مديراً مما سهل له التماس المباشر مع الطفولة المبكرة ومباشرة حاجات أهل ينبع الثقافية من خلال ما يكتب عنهم في بعض أعمدة الصحف وصفحات المجلات.
كُلّف بعدها بإدارة مدرسة «معاوية بن أبي سفيان الثانوية» منذ تأسيسها عام 1422هـ، فكان نعم الموجه ونعم الأب والقائد الذي يدير سفينة التعليم ويضع لبنات الانضباط والتميز.
ثم نادته أطروحة الماجستير في الإدارة التعليمية فلم يجبن أو يتردد في أن يلبي النداء وأن يتوّج مشواره الإداري مديراً لإدارة التخطيط والتطوير التربوي منذ عام 1427هـ وصولاً إلى نيله الدكتوراه في الأدب والنقد هذه المحطات لم تكن وظائف بيروقراطية صارخة، بل كانت «معاملاً حية» صاغت خطابه الثقافي المتماسك بعد ذلك وشكلت ما بات يعرف بالأديب.
وما هي إلا سنوات قليلة إلا وتصله صرخات النجدة من أدب الطفل الذي كاد أن ينسى بين أضابير التنظير الجاف والتطبيق الضعيف!
فتقدم لها الدكتور سعد الرفاعي وشمر وصعد إلى منصات التتويج في تجديد أدب الطفل فكان من القلائل الذين جمعوا بين أدوات «الناقد المحلل» وعاطفة «المبدع المنتج» في هذا الحقل.
ويتجلى هذا التوازن في مظهرين رئيسين:
1 - المنجز النقدي: كتابه «الكتابة الشعرية للطفل
فكان في هذا الكتاب يقدم رصداً أكاديمياً دقيقاً لملامح واتجاهات الشعر الموجه للطفل ويدرس ويحلل ويشارك وفي ديباجة كتابه شاهداً نقدياً مهماً على هذا حيث يقول:
«عالم الطفل عالم خاص يعنى بالنشأة والتكوين وبالأخلاق والتهذيب والأدب سموا وارتقاء وجمالا وحدائق غنّاء والطفولة ألق البراءة والنقاء والبدايات البكر وأسّ البناء».
فمن خلال هذا الشاهد، يؤصل الرفاعي لفكرة أن أدب الطفل وثقافته الموجهة ليسا لترفيه عابر، بل هما مكونان أساسيان في صياغة الهوية الوطنية مع الوجدانية وتشكيل الوعي القومي.
وهو في هذا يشبه كثيرا الأديب المصري المشهور كامل الكيلاني في تطريز الجمل العفوية ونسج التراتيل الوطنية.
2. المنجز الإبداعي: في ديوان «أناشيد عمر..
فبينما تشهد الساحة الأدبية انحساراً في الشعر الموجه للطفل مقابل وفرة القصص النثرية جاء ديوان «أناشيد عمر» (الصادر عن دار كادي ورمادي) ليسد ثغرة إبداعية كبيرة.
الشواهد الهيكلية: يضم الديوان إحدى وعشرين قصيدة صاغها بعاطفة أبوية خالصة.
الترابط الدلالي: وزع الدكتور قصائده بالتوازي مع حاجات الطفل (النفسية، والروحية، والاجتماعية، والثقافية) لبناء شخصية متوازنة.
النص لديه يتحرك بإيقاع راقص يسهل حفظه محولاً القيم التربوية الجافة إلى ترانيم عذبة تنساب إلى وجدان الطفل دون تعقيد لغوي.
ثانياً: الريادة التوثيقية وجغرافية المكان (أدب الرحلات واستنطاق التاريخ)..
يمثل المنجز التاريخي للدكتور سعد الرفاعي نقطة تحول جوهرية في دراسة جيوسياسية الساحل الغربي للمملكة وتحديداً من خلال ثنائيته الشهيرة في أدب الرحلات:
1. كتاب «ينبع بعيون غربية» (طبع عام 2018م عن نادي المدينة المنورة الأدبي) في 189 صفحة ليسلط الضوء على مشاهدات وانطباعات الرحالة والمستشرقين الغربيين الذين مروا بينبع. وتكمن أهمية الكتاب في استنطاق مرحلة تاريخية قل فيها التدوين المحلي.
فتتبع الدكتور الرفاعي مرويات رحالة كبار أمثال: بوركهارت، بيرتون، كارستن نيبور، شارل ديدييه، وليون روش.
ورصد من خلالهم عادات سكان ينبع وتقاليدهم، ومبانيهم، وطبيعة مناخهم، مبرزاً الأهمية الإستراتيجية والتجارية للمدينة كبوابة بحرية نابضة ومرفأ رئيس للمدينة المنورة على البحر الأحمر.
2. كتاب «ينبع بعيون عربية» (طبع عام 2021م) وجاء هذا الكتاب مكملاً للرؤية السابقة في 285 صفحة، ليقدم رصداً جميلاً لمشاهدات الرحالة العرب والمسلمين الذين زاروا المدينة عبر العصور.
التكامل المعرفي:
نجح الرفاعي من خلال المقارنة بين العيون «العربية» و»الغربية» في إخراج تاريخ ينبع من منطقة الظل إلى شمس الذاكرة الوطنية الموثقة، ليثبت أن أدب الرحلات لديه هو تفكيك لـ «تاريخ ما لا تاريخ له». (وهو المنهج الذي مهد لإصداراته اللاحقة مثل الحوراء في عيون الرحالة والعلا في عيون الرحالة).
ثالثاً: الرؤية الشعرية الممتدة..
تتجاوز التجربة الإبداعية للدكتور سعد حدود الطفولة والتاريخ لتشمل فضاءات وجدانية أرحب، وثّقتها دواوينه الخمسة المطبوعة ومنها: (نزيف الجرح، العشق ينبع، صلوات، ولما بعد). وتتميز رؤيته الشعرية بسمات أسلوبية دقيقة رصدها النقاد:
شعرية المكان والوفاء لـ «ينبع»: في ديوانه «العشق ينبع»، لا تظهر المدينة كجغرافيا صامتة، بل ككائن حي وشريك وجداني. إن ارتباطه بينبع تجسد أيضاً في مشروعه الفريد «ديوان ينبع الشعري» بالتزامن مع عام الشعر العربي، تخليداً لذاكرة المكان.
رابعاً: سيمياء السلوك والشهادات الإنسانية (تعليقات المحبين)..
إن المنجز المعرفي للدكتور سعد الرفاعي يسير جنباً إلى جنب مع منجز أخلاقي أجمع عليه كل من جاوره وحاوره وعاصره. وفي كتابه الذي اهتم بسيرته الذاتية والعلمية «السيرة العلمية من الألف إلى الدال» يعطر الرفاعي رحلته بأوجه النبل والوفاء والوداد مع زملائه وتلاميذه.
ويرى المحبون والنقاد (أمثال الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي) في مشواره صفات استثنائية:
كدماثة الخلق والتواضع الجَم وتميزه الدائم بالإنصات، والقدرة على احتواء جيل الشباب من المبدعين، وفتح آفاق الدعم لهم. ولا يتعامل معهم بمنطق الأستاذية الجاف بل بمنطق الشريك المعرفي المتواضع والمشجع لكل جديد.
مع الأريحية والفيض الإنساني (الكرم والجود) فلم يكن الكرم عند الرفاعي مقتصراً على حدود المادة بل هو «كرم الوجدان والمعرفة». يتجلى ذلك في بذل وقته وجهده الاستشاري الخاص لخدمة الآخرين دون مقابل وفتح مجلسه وبيته ليكون ملتقى يجمع شتات المثقفين والأدباء ويغمرهم بحفاوته المعهودة وجوده الينبعاوي الأصيل.
خامساً: الوفاء والوداد الصادق في كتابه الذي حوى سيرته الذاتية والعلمية «السيرة العلمية من الألف إلى الدال» يرفض فيه الدكتور أن ينسب الفضل لنفسه وحده بل يطرز صفحات الكتاب بالثناء والوفاء لأصدقائه وزملائه ومعلميه معتبراً مسيرته ثمرة محبة جماعية.
هذا النبل الشخصي حوّل شخصيته إلى مظلة اجتماعية دافئة في محافظة ينبع وخارجها.
ويتجلى جود الدكتور سعد في بذل وقته وجهده لتأسيس الكيانات الثقافية فهو ليس مجرد عضو في هذا الكيان أو ذاك بل المؤسس والرئيس لجمعية أدب الطفل وثقافته والتي نقلها من مجرد فكرة خام على الورق إلى ثمرة يانعة يقطفها أطفال الوطن.
إلى أن وصفه المؤرخون والأدباء (أمثال طلال الرميضي أمين عام رابطة الأدباء الكويتية السابق) بأن كتبه مثل «ينبع بعيون عربية» و»الحوراء في عيون الرحالة» تعد من أجمل ما كُتب في أدب الرحلات الحديث مما يبرز مكانته كقيمة ثقافية خليجية وعربية متجاوزة للمحلية.
وقبل الوداع فإن هذه القراءة الفاحصة يتضح منها أن تجربة الدكتور سعد بن سعيد الرفاعي عميقة جداً وهي تجربة تكاملية فريدة ذابت فيها كل الفواصل بين التربوي الحازم والمؤرخ والراصد الدقيق لأدب الرحلات والشاعر الوجداني المرهف.
ولذلك فهي تستحق منا المزيد من الاحتفاء والكتابة وفاء لقلم كرّس حياته ليبقى عقل وذاكرة الطفل السعودي وتاريخاً لمدينته وفضاء لإبداعه وسحره.
فالصِّدْقُ وَالإِخْلاصُ في مِحْرابِهِ
والبَذْلُ وَالإِحْسانُ حَشْوُ إِهابِهِ
وَإِذا طَلَبْتَ الشِّعْرَ مِنْهُ فَإِنَّهُ
مِنْ أَهْلِهِ عِنْدي وَمِنْ أَصْحابِهِ
** **
- صلاح بن قاسم الجهني