رغم مرور عشر سنوات، مازال الباب يقف بشموخه القديم، باعتداده وثقته بنفسه، ومهما تناهت إلى سمعه كلمات العابرين الشامتة، فلن يأبه لها. كان يواجه شروق الشمس، ويولّي ظهره موطن غروبها.
حتى لونه لم يتغيّر، صحيح أن تراكم غبار الصيف حماه من صدأ محتمل، لكنّه في الشتاء، وحين يغسله المطر، يبدو أجمل مما كان عليه في أيامه الأولى.
وحين يلتفت إلى الأبواب المشرعة حوله بعد رحيل سكان البيوت، في لحظة زهدهم بالحيّ القديم، يصدر عنه صرير خافت يصدره من لفح الهواء، وربما كانت صرخة فرح بانتصاره على الظنون؛ فما زال مفتخراً بأنّه يحرس الحكايات القديمة التي تجوب غرف البيت المهجور.
يتذكّر أنّ صدى الركلة لفتت انتباه عمّال بالقرب منه، فتوقفوا قليلاً ليشهدوا ميلاده الجديد، يتذكّر أنّه ركل الباب خلفه دون أن يلتفت إليه، وكأن صوت ارتطامه أنشودة ظلت عالقة في سماء أمنياته..ثمّ تحققت.
سار خفيفاً باتجاه الغروب. كانت النشوة تعبث به، وصورة الباب الجديد المزخرف بالنحاس الأصفر اللامع تأسره.
قصرٌ مشيّد، وغرف واسعة باذخة، وحدائق مبهجة، دخل من ذلك الباب النحاسي، وكان رفيقاً به، إذ لم يركله ويمضي إلى الداخل، بل واربه برفق حتى سمع طقة القفل.
وحتى لو فعل، فلن يضير الباب شيئاً، إذ إن كثرة الزخارف أودت بروحه القديمة، فقد قطع الحداد معظم صفائحه لتبرز الزخارف النحاسية بهيّة بالغة الحسن، تلفت أنظار العابرين، وتساند فخره بالحي الجديد.
أما ذاك القديم، فلا زالت تلك الركلة تؤلمه، ليس لأن لها صدى مزعجاً، بل لخشيته من انفلات بعض الحكايات الصغيرة فتهرب مذعورة من وقع الصوت.
فإن كانت الحكايات الراسخة قادرة على الصمود، فإن تلك الصغيرة الناشئة لن تحتمله، وقد عاهد نفسه أن يكون حارساً أميناً لكل ما يختزنه البيت العتيق من مشاعر.
هل كان يظن أنه سيعود؟
هل كان متأكّداً أنه لن يبلغ هناك حكاية واحدة تشابه الحكايات المحروسة هنا؟
وأنه سيعود باحثاً عن دفء، عن مطر، عن شمس مشرقة؟
عشر سنوات، متوهجاً بالانتظار، متجمّلاً بالثقة، متلفّتاً في كلّ اتجاه يبحث عن خطوات منكسرة، تغوص حيناً في حزنها الجديد، وحيناً آخر في أمل ستجده في غرف البيت العتيق.
لم يخطئ حدسه، وكأنّه يرى الباب الجديد المزخرف وقد غشيه الحزن والإهمال، فأشرع دفتيه لتخرج القطع الكبيرة من الأثاث.
ثم التفت خلفه نحو موطن مغيب الشمس فرأى خيال رجل متهدّم، يسير بهدوء وحكمة واتزان. ظل يقترب حتى بلغ عتبة الباب، وقبل أن يشرع له إحدى دفتيه، احتضنه الرجل وبكى.
** **
- عبدالكريم بن محمد النملة
@rhrh5576