الوهم الثقافي ليس خصمًا يواجهنا بوضوح، ولا عدوًا يعلن خصومته، بل هو ظِلٌّ يتقدّم بخطى واثقة في هيئة معرفة، ويتقمّص ملامح الوعي حتى نظنه جزءًا أصيلًا من بنائنا الفكري. يعلو صوته حيث يغيب النقد، ويتسع حضوره كلما خفّت أسئلة التمحيص.
هو خطابٌ كثير الضجيج، قليل الأثر؛ يقوم على التكرار لا على الابتكار، وعلى الانبهار لا على الفهم، وعلى الادعاء لا على المنجز. يتغذّى من تصفيقٍ عابر، ومن حضورٍ شكلي في المنصات، ومن عناوين لامعة تخفي خواءها خلف بريقها.
ليس خطره في عدائه، بل في هشاشته التي تُسوَّق على أنها عمق، وفي سطحيته التي تُعرض بوصفها مشروعًا. لا يضيف إلى الحدث معنى، ولا يرفع منسوب الوعي، بل يربك المشهد حين يُقدَّم على أنه إنجاز. ومع الزمن، تتكوّن طبقة من خطابٍ منمّق بلا جذور؛ كلمات كبيرة بلا رؤية، وشعارات واسعة بلا أثر. يُقاس النجاح بعدد الصور لا بعدد الأسئلة التي أيقظها العمل في العقول.
والوهم الثقافي لا يعيش منفردًا؛ إنه يصنع دوائره من التواطؤ الصامت، يتكاثر بالمديح المتبادل، ويتحصّن بالمجاملات، ويستقوي بخشية البعض من قول الحقيقة. فيتحوّل المشهد إلى مسرحٍ تُوزّع فيه الأدوار بعناية، ويُصفَّق فيه للعبارات أكثر مما يُحتفى بالأفكار.
الأخطر أن امتداد الوهم يعيد تشكيل الذائقة؛ فيألف الناس السطح، ويستثقلون الجهد المعرفي، ويحسبون الثقافة ترفًا لغويًا لا مسؤولية فكرية. عندها لا يعود الخلل حالة عابرة، بل يتحوّل إلى بيئة، ولا يكون الانحراف فرديًا، بل نمطًا مستقرًا.
غير أن الثقافة الأصيلة لا تحتاج إلى صخبٍ يحيط بها، بل إلى أثرٍ يبقى. هي تراكمٌ صادق، ومنهجٌ يُختبر، وفكرةٌ تُراجع باستمرار. تُرهق صاحبها بحثًا، وتُلزمه تواضعًا، وتطالبه بمساءلةٍ دائمة؛ فهي مشروع عمر لا مناسبة عابرة.
ولعل المواجهة الحقيقية ليست في إعلان الحرب على الوهم، بل في صناعة البديل: في بناء منابر جادة، وتشجيع نقدٍ نزيه، وإعادة الاعتبار للقيمة لا للعلاقات. فحين يحضر المعيار، يتراجع الزيف من تلقاء نفسه، وحين يُحتفى بالمنجز الحقيقي، ينكشف الادعاء بلا صخب.
ويبقى السؤال في ضمير كل مثقف:
هل نحن نضيف إلى المشهد، أم نكتفي بالوقوف داخله؟
فالفرق بين الحضور والقيمة.. هو الفرق بين من يمرّ، ومن يترك أثرًا لا يُمحى.
ويمكن أن نستحضر من التاريخ العربي ما يجسّد هذا الفرق؛ فمجالس المتنبي عند سيف الدولة الحمداني لم تخلُ من شعراء كُثر، لكن الذي بقي في الذاكرة لم يكن أكثرهم مدحًا، بل أصدقهم بيانًا وأشدهم أثرًا. كثرت الأصوات، وبقي البيت الصادق شاهدًا.
وكذلك فعل عبد الله بن المقفع في كتابه كليلة ودمنة؛ لم يكتب حكايات للتسلية، بل صاغ رموزًا تضرب في عمق الاجتماع والسياسة، فكان المعنى أبقى من الحكاية، والقيمة أرسخ من الزخرف.
ولعل الصورة الأدبية الأبلغ تُروى عن سوق البيان في سوق عكاظ؛ حيث كان الخطيب يرفع صوته ليبلغ آخر المضارب، غير أن حكيمًا من فحول القول قال يومًا:
«ليست البلاغة أن يسمعك الناس، بل أن يبقى قولك بعد أن يسكتوا».
فسكنت أصوات كثيرة، وبقي المعنى وحده شاهدًا
ولذلك، فإن الوهم الثقافي – مهما امتدّ – يظلّ مرحلة عابرة في تاريخ الوعي؛ لأن ما لا يستند إلى قيمةٍ حقيقية لا يقوى على البقاء. قد يربح لحظة، وقد يملأ فراغًا، لكنه لا يصنع زمنًا، ولا يؤسس لمرحلة، ولا يترك أثرًا يُستعاد بعد انطفاء الضوء.
أما الثقافة الأصيلة، فهي التي تُعيد تشكيل الإنسان قبل أن تُعيد تشكيل المشهد؛ تُهذّب الذائقة، وتوقظ السؤال، وتربّي على الشك المنهجي لا على التصفيق السريع. هي التي تجعل من المعرفة مسؤولية، ومن الكلمة عهدًا، ومن الحضور إضافةً لا ازدحامًا.
وفي النهاية، لا يُختبر المشهد الثقافي بكثرة فعالياته، ولا بعدد أسمائه المتداولة، بل بقدرته على إنتاج معنى يعيش أطول من ظرفه، وأعمق من لحظته. فكل خطابٍ لا يحتمل السؤال يسقط عند أول اختبار، وكل مشروعٍ لا يقوم على الصدق يتآكل من داخله، ولو ازدانت واجهته.
يبقى الرهان على ضميرٍ يقظ، يفرز ولا ينجرف، ويختار ولا يُستدرج، ويحتفي بالقيمة ولو جاءت في صمت، ويتجاوز الضجيج ولو علا. فالثقافة ليست مشهدًا يُستهلك، بل وعيًا يُبنى، وليست موقعًا يُحجز، بل أثرًا يُترك.
وهنا تتجلّى الخلاصة الجامعة:
أن الفرق بين الوهم والحقيقة ليس في الصوت، بل في الصدق؛ وليس في الظهور، بل في الأثر؛ وليس في كثرة الحضور، بل في عمق الإضافة.
فمن أراد أن يكون جزءًا من تاريخ الثقافة، فليبحث عمّا يبقى… لا عمّا يلمع.
** **
- عبدالله سليمان السحيمي
@ Alsuhaymi37