في حين ترددت إلينا تهكمات ساخرة تشي بأخبار إقفال أقسام اللغة العربية قريبًا في بعض الجامعات؛ إذ لا حاجة لها في سوق العمل وغيرها من الأسباب، جاءت السياسة الوطنية للغة العربية جوابًا لمثل هذا. ولكل من يظن أن اللغة العربية فعل وفاعل، ومرفوع ومنصوب، انتصرت السياسة الوطنية للعربية، وأعادت تنظيم علاقتها، التي توترت مؤخرًا، مع بعض القطاعات والمجالات، بفعل تحولات ثقافية ومجتمعية أعادت تشكيل أنماط الاستعمال اللغوي وتراتبيته.
تعود العربية، وفق مبادئ السياسة الوطنية للغة العربية ومستهدفاتها، إلى الواجهة الكبرى والموقع الأول، فتتصدر، وتتموضع، وتمتد، في قلب الفرد والمجتمع والأنظمة والمؤسسات، لتنتقل من مستوى الاعتزاز والاحتفاء، إلى مستوى التنظيم والتمكين، ومن أصوات الاحتفال والتمجيد، إلى نصوص الأنظمة والتشريعات في الممارسات اليومية: كالحديث والكتابة، والواجهات والفنون، والشوارع والإعلانات.. ومن المستوى المحلي إلى فضاءات التواصل الإقليمي والدولي، شاملة في ترحالها التعليم والبحث العلمي والأعمال، وجميع المجالات والقطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية.
ويمكن القول إن اللغة العربية قد عاشت، في بعض السياقات على أقل تقدير، فجوة كبيرة بين مكانتها الرمزية العالية وحضورها اليومي، نلمس هذا، على وجه الخصوص، في بعض الأماكن كالمطاعم والمقاهي وغيرها، إلى جانب بعض القطاعات التي يغلب على تعاملاتها الإلكترونية والفعلية حضور اللغة الإنجليزية على حساب اللغة العربية. كذلك انتشار الإنجليزية على ألسنة الأطفال والناشئة، حين يكبر الطفل محاطًا بأصوات إنجليزية، في الشاشة، والإعلانات، والعلامات التجارية، وتطبيقات الترفيه، وغيرها من دوائر الحياة اليومية، مما يجعل علاقته بالإنجليزية علاقة ألفة ترتبط بالمتعة والاستهلاك والتداول والتكرار، في حين تظل العربية محصورة في الإطار المدرسي والخطاب الرسمي.
هذا البعد عن العربية جعلها تنحسر في نطاقات محدودة، بينما تتصدر الإنجليزية مجالات النفوذ والاستعمال والسوق والتقنية والفضاء الرقمي. وبين ثنائية الانحسار والتصدر، تشكل في الوعي الجمعي شعورٌ غير معلن يربط الحداثة والحيوية والتطور بالإنجليزية دون العربية، خاصة لدى الأجيال الجديدة، ومن هذا المنعطف تحديدًا، تجلت أهمية السياسة الوطنية للغة العربية، بوصفها أداة تحكم حضور العربية، إذ تكمن هذه الأهمية في شمولية مبادئها وقدرتها على خلق منظومة تجعل من العربية عنصرَ سيادة واستقلال وأمن ثقافي، من جهة، وقدرة الجهات والقطاعات على الالتزام بها وتنفيذها من جهة أخرى، وهو ما يتطلب أدوات تنفيذية واضحة، وأدلة إرشادية تفصيلية، وآليات متابعة وتقييم، تضمن تحول المبادئ إلى ممارسات، والسياسات إلى إجراءات. هذا الدور الذي سيضطلع به مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، بوصفه المرجعية الوطنية المعنية ببناء إطار السياسة الوطنية للغة العربية ومنطلقاتها، ثم متابعة تفعيلها وأثرها، ودعم الجهات والقطاعات لخدمة أهدافها، وهو ما صرح به صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان وزير الثقافة، رئيس مجلس أمناء مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، مثمنًا موافقة مجلس الوزراء على السياسة الوطنية للغة العربية، ودعم القيادة الرشيدة وحرصها على تنظيم الجهود الرامية لخدمة اللغة العربية.
ومع صدور السياسة، نتطلع إلى مواقف فورية تطبق السياسة وتنفذها في كل القطاعات، مثلًا: الاجتماعات بالعربية، ومحاضرها بالعربية، والعروض التقديمية بالعربية، والمؤتمرات والندوات والأنشطة والمشاريع والأبحاث والاختراعات بالعربية، والعقود والمعاملات والخطابات والتقارير والمراسلات والوثائق بالعربية، والواجهات والأسماء والعلامات بالعربية.. كما نصبو إلى منصات دولية تحضر فيها العربية حضورًا مركزيًا أصيلًا، فتناقش المبادرات بالعربية، وتصاغ الاتفاقيات بها، وتعرض النتائج والتوصيات والشراكات بها، هذه التطلعات لا تنطلق من نزعة منغلقة لا تؤمن بالتعدد اللغوي، إنما من وعي حقيقي بموقع اللغة العربية في الوجدان والتفكير والسلوك والثقافة والانتماء.
لغة السيادة ستمارس السيادة، وستجسد الاستقلال الثقافي، والمركزية والسلطة، في التشريعات والإجراءات والمعرفة والعلم والعمل، وستكون اختيارًا حاضرًا وفاعلًا ومدمجًا في كافة الأنشطة والتعاملات.
** **
د. بدور بنت محمد الفصام - أكاديمية في جامعة الملك سعود