في وقتٍ يتحرك فيه الأدب السعودي على نحوٍ لافت، وتتبدّل ملامح حضوره المؤسسي والجماهيري، وتتعدد منصاته محليًا ودوليًا، حتى بات شريكًا في تشكيل الوعي وصياغة المشهد الثقافي، يلوح سؤال آخر في الأفق: هل واكب الإنتاج النسائي هذا التحوّل بالقدر ذاته من النضج الفني؟
فليس كل اتساعٍ في المشهد يعني بالضرورة ارتفاعًا في سقف الطرح، ولا كل حضورٍ كثيف يضمن أن يرتقي النص من كونه استجابة ظرفية إلى أن يكون منجزًا أدبيًا مكتمل القيمة.
يؤسفني أن أرى الأديبات السعوديات يقفن على منصات واسعة الحضور ليتحدثنَ عن المرأة في الأدب؛ عن البدايات المتعثرة، وتقلبات الأزمنة، ومشقة الوصول إلى ما بلغنه اليوم… ثم لا يروينَ تاريخًا أدبيًا بقدر ما يفتحن بابًا للاستعطاف.
يتحوّل الحديث، في لحظةٍ خفيّة، من سيرة إبداع إلى سيرة اعتذار.
اعتذارٌ مسبق، كأن الكتابة طوق نجاة مكسور، وكأن الجودة ترفٌ مؤجل، وكأن الانشغال بالحياة مبررٌ كافٍ للتنازل عن صرامة الفن واتساع الثقافة. ومع كل ندوة تعقب أخرى، يخفت صوت الأدب، ويعلو صوت التبرير، حتى يكاد النص نفسه يتوارى خلف خطابٍ دفاعي لا ينتهي.
شهدتُ إحداهن تقول على منصة معرض دولي معللة تشابه الإنتاج النسائي السعودي لحد التناسخ في بعض الأعمال:
“لم يُسمح للمرأة السعودية السفر والاتصال بالشعوب كما أفعل معكم اليوم، إلا مؤخرًا”.
استوقفتني العبارة طويلًا. شعرتُ بخجلٍ مستعار حارق، لا من وقع الجملة، بل من الفراغ بين أطرافها. أيّ رابطٍ هذا الذي يُقام بين جواز السفر ومصادر المعرفة؟ منذ متى كانت الثقافة ختمًا على ورق؟ ومتى كان الخيال ينتظر إذن مغادرة؟
والمفارقة المؤلمة أن الكاتبة ذاتها صُدّرت مرارًا للمشهد الأدبي السعودي في محافل دولية متفرقة، بوصفها صوتًا سرديًا جادًا، رغم أن تجربتها - على أهميتها الشخصية - لم تبلغ بعد سقف النجاح المعياري ولا الحضور الجماهيري الذي يوازي حجم المنابر التي اعتلتها. كان الأجدر أن يتقدم النص ليتكلم، لا أن يُستدعى الظرف ليبرر صمته.
وفي ندوة لأخرى، كان يفترض أن تكون ماتعة، تناولت أديبة سعودية الفرق بين الأدب النسوي والنسائي. بدأت حديثها بتمهيدٍ تاريخي عن الثورات والتقلبات السياسية، وكيف استدعت دخول مفهوم النسوية إلى الكتابة السردية، مستشهدة بأسماء نسائية صنعت أعمالًا خالدة، ثم عرّجت على السردية السعودية النسائية بوصفها خطوة أولى في مسيرة النهضة الاجتماعية والثقافية. لكن الحديث انحرف، بشكلٍ مفجع، إلى صورة قاتمة مسطّحة:
الإبداع كان حصرا على كاتبات كنّ يكتبن سابقا بأسماء مستعارة حفاظًا على دمائهن من الإراقة في نظام أبوي متعسف، ظلّ يسكن نصوصهن حتى بعد زواله، ثم لم يجدن بعده قضية تستحق الكتابة.
هكذا، في جملةٍ واحدة، اختُزل مجتمع، واختُزل تاريخ، واختُزل أدبٌ كامل في سردية خوفٍ دائم، وكأن التجربة الإنسانية للمرأة لا تتجاوز الهروب أو الشكوى.
ما يؤسفني ليس استدعاء المعاناة فالمعاناة جزء أصيل من نسيج التجربة -الإنسانية - بل اختزال التجربة الأدبية فيها، وتقديم شحّ الإبداع وكأنه نبتةٌ اعتذارية نمت رغم الظروف، لا رغم التقصير.
قالت ثالثة في لقاء إذاعي أن الإنتاج السينمائي عالج الكثير من الخلل في حبكتها السردية لأنه ربما تناولها بتجرد من صوت الضمير الجماعي، فكُفل لها فنيًا، وما تعثّر حصولها عليه عُرفًا. كيف صرّحت بعجزها دون أن تسميه عجزًا؟ هي لم تقل إن السرد أخفق، لكنها نسبت اكتماله إلى وسيط آخر، لم تعترف بخلل البنية، لكنها احتفت بمن أصلحها من الخارج. هذا التصريح لا يكشف خلل الحكاية فقط، بل يكشف هشاشة الثقة بالصوت السردي ذاته، ويكشف ارتباك العلاقة بينها ونصّها، وكأنه ليس نتاجًا لوعيها، وإنما مادة خام تنتظر من يعيد تشكيلها بشكل أفضل.
وفي لقاء صحافي دولي مع رابعة حول تجربتها السردية الطويلة في صناعة الأدب النسائي، صرّحت أنها ضده لأكتشف أنها أساءت فهم السؤال بقولها أنها ترفض حصر الأدب في حقوق المرأة! من جاء على ذكر حقوق المرأة! فالأدب النسائي ليس هو النسوي يا سيدتي، فهو نتاج إبداعي تكتبه المرأة، ويحمل أثر خبرتها الخاصة في إدراك الذات والعالم، وقد يتناول أي موضوع إنساني، اجتماعي، فلسفي أو وجودي، لا يشترط أن يكون موضوعه المرأة وحقوقها. تغاضيت عن إجابتها تلك لتفاجئني بأخرى أكثر التباسا حين سُئلت عن أسباب تخلّف الرواية السعودية عن المشهد الأدبي العربي أجابت بخطاب الشكوى أكثر من خطاب التحليل. فهي تفترض أن المشكلة خارجية بالكامل (غياب المؤسسات) وتُقدّم الكاتب بوصفه ضحية دائمة، مُثقلاً بالأدوار ومحرومًا من الاحتواء، دون مساءلة المشهد نفسه: جودة الإنتاج، فاعلية الحراك النقدي، أو مسؤولية الكاتب تجاه تطوير أدواته والانخراط في منظومات مهنية.
جاء تركيزي في هذا المقال على السردية لا الشعرية النسائية؛ لا مفاضلةً بين الأجناس، بل لأن السرد هو الحقل الذي لا يكتفي بإظهار الحساسية، بل يكشف بنية الوعي ذاتها. فبعد النماذج السابقة، حيث تقدّم الظرف على النص، والخطاب على التشكيل، بدا أن موضع الخلل يقع في العالم الذي يبنيه العمل السردي أو يعجز عن بنائه. السرد يقوم على عوالم وشخصيات وصراعات وعلاقات سببية، ما يجعله المساحة الأوضح لاختبار عمق الرؤية وصدق المعالجة. وحين يتقدّم الصوت التبريري على الضرورة الفنية، لا يضعف الموقف السردي فحسب، بل يتصدّع نسيج الحكاية نفسه، لأنه لا ينهض بالاعتذار، بل بالمعرفة والخيال والصرامة الجمالية.
باعتقادي أن السردية النسائية السعودية، مع تزايد حضورها مؤخرًا، تقف اليوم أمام اختبار نضج حقيقي: إما أن تتجاوز مرحلة تعريف الذات والدفاع عنها إلى أفق إنساني أوسع، أو تبقى أسيرة سرديات تمهيدية تشرح ظروفها أكثر مما تشتغل على فنّها.
** **
- وجدان الدجين