إلى حملة الأقلام الذين يعملون لإخراج العقد المجتمعية والطائفية من المضمر إلى الظاهر، ومن الظلمات إلى النور.
وإلى المثقفين الذين يكشفون الغطاء، فيخترقون الأستار ويحركون الأذهان.
وإلى المفكرين الذين يركزون وعيهم على شوائب مجتمعهم، والوصول به إلى اليقظة الفكرية.
وإلى الفقهاء والوعاظ الذين انشغلوا في تقليص حدة التعصب وخفض وطأته بين الفرق الدينية.
وإلى المصلحين الذين ينظرون في عيوب مجتمعهم قبل أن ينظروا إلى عيوب مجتمعات الآخرين.
وإلى الأدباء والمجددين الذين يغربلون الأفكار فتترسخ بذلك الثوابت وتفند الخرافات والأباطيل.
إلى من رحلوا فتغيرت الأحكام اتجاههم، هل الإنصاف بعد رحيلهم يكفي؟
يتكرر في التجربة الثقافية أن يُواجَه المثقف النقدي أو المصلح الفكري بالمقاومة والاتهام في حياته، ثم يُعاد تقييمه بعد رحيله بصورة أكثر إنصافًا. وتطرح هذه الظاهرة إشكالية مركزية:
هل يمثّل الإنصاف المتأخر تصحيحًا معرفيًا حقيقيًا، أم أنه مجرد تعويض رمزي عن عجز المجتمع عن تقبّل المختلف في زمن حضوره الفعلي؟
تنطلق هذه المقالة من فرضية مؤداها أن الإنصاف الذي يأتي بعد الرحيل لا يعكس دائمًا تطورًا في البنية المعرفية للمجتمع، بل قد يكشف عن آليات دفاعية تؤجّل الاعتراف إلى أن يزول مصدر القلق الفكري؛ إذ يؤدي المثقف النقدي وظيفة مزدوجة: تفكيك المسلّمات السائدة، ومساءلة البنى الفكرية التي تُنتج التعصب أو الجمود. وهذه الوظيفة بطبيعتها تُحدث اضطرابًا في النسق الاجتماعي؛ لأن المجتمعات تميل إلى حماية استقرارها الرمزي. ومن هنا تنشأ مقاومة تجاه كل خطاب يخلخل ما اعتادت عليه الجماعة، خاصة إذا ارتبط ذلك بالدين أو الهوية أو القيم الراسخة، فتتجلّى هذه المقاومة في صور متعددة، منها: التشكيك في النيات، واتهام المخالف بالانحراف أو التغريب، وتقزيم الأطروحات بدلًا من مناقشتها مناقشةً معرفية.
وفي هذا السياق، لا يكون الصراع بين حق وباطل بالضرورة، بل بين نمطين من الوعي: وعي محافظ يسعى إلى صيانة النسق، ووعي نقدي يسعى إلى تجديده. فحين يظهر خطاب تجديدي يُعيد طرح الأسئلة أو يُفكك المقدّس الاجتماعي، يُستقبل بوصفه تهديدًا رمزيًا. وهنا تُفعَّل آليات الإقصاء: الوصم، أو العزل، أو التجاهل.
وبعد رحيل المثقف، يحدث غالبًا تحوّل في تمثّله داخل الوعي الجمعي. ويمكن تفسير ذلك بعدة عوامل؛ منها: زوال الحضور المزعج، فالشخص الحي قادر على الاستمرار في النقد والمواجهة، بينما يتحول الراحل إلى نصٍّ قابل للتأويل؛ ومنها كذلك: إعادة قراءة السياق، حيث تتغير الظروف الاجتماعية والسياسية، فتغدو بعض أفكاره أكثر قابلية للفهم أو القبول؛ ومنها: تحرير الفكرة من شخصنتها، إذ تتحول من كونها مرتبطة بصاحبها إلى مادة معرفية مستقلة.
ومن المسلَّم به معرفيًا أن الحقيقة ليست أحادية التجلّي، إذ قد تتعدد زوايا النظر إلى الفكرة الواحدة. ومن هنا فإن الاختلاف الفكري لا ينبغي أن يُفهم بوصفه جريمة أخلاقية، بل بوصفه تعبيرًا عن تنوّع في القراءة والتأويل. فالحكم على الأفكار لا يستقيم تحت ضغط اللحظة الانفعالية أو الاصطفاف الجماعي، بل عبر اختبارها في الزمن، وفي قدرتها على تحقيق نفع عام أو إنتاج وعي أعمق. فالزمن هنا ليس معيارًا أخلاقيًا فحسب، بل أداة فرز معرفي.
ويكشف الإنصاف الذي يأتي بعد الرحيل عن مفارقة اجتماعية؛ فالمجتمع الذي يُنصف لاحقًا هو ذاته الذي ضيّق سابقًا. وبين الموقفين مسافة زمنية تعكس تحوّلًا في السياق أو في أدوات الفهم. غير أن العدالة المعرفية الحقيقية لا تتمثل في الاعتراف المتأخر، بل في إتاحة المجال للنقاش الحر في زمن الفكرة ذاتها؛ فالتجديد لا يُختبر بمدى انسجامه مع المزاج السائد، بل بقدرته على الصمود أمام النقد العقلاني، وعلى الإسهام في توسيع أفق الوعي.
وعليه، فإن إنصاف المختلف بعد رحيله يظل خطوة ناقصة ما لم يصاحبه تحوّل في بنية التعامل مع الاختلاف ذاته؛ إذ لا قيمة للاعتراف إذا بقيت آليات الإقصاء فاعلة تجاه كل صوت جديد. ومن الإنصاف أن نذهب إلى أن الاختلاف الفكري ليس جريمةً يُتَّهَم بها صاحبُه أو يُجرَّم بسببها، وإنما المستقبل هو الذي يحكم بمدى صواب أيِّ فكر؛ فما يكون صائبًا في زمنٍ ما قد يكون غيرَ صائبٍ في زمنٍ آخر.
قال تعالى في ذلك: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً، وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ).
** **
د. شيهانة سعيد الشهراني - كاتبة وأكاديمية