حين أتأمل رمضان كما عشته مع والدي سعيد السريحي، لا أستطيع أن أفصله عن فكره ولا عن فلسفته في الحياة: المعنى يتجلى في التفاصيل الصغيرة حيث تُصنع الهوية ويتكشف الجوهر الحقيقي للإنسان. رمضان كان بالنسبة لوالدي امتدادًا طبيعيًا لحياته كلها، لأن الرجل الذي عرفته لم يكن موسميًا في أخلاقه، ولا عابرًا في طيبته، ولا متحوّلًا مع الضوء الذي يسطع في مواسم العبادة. كان ثابتًا، ثابتًا على سكينة لا تتغير، وعلى رحمة تسبق الكلام.
أول ما أتذكره من رمضان والدي، هو ذلك الخيط العميق الذي يصل بين العبادة والذاكرة. لقد نشأ وعيي الرمضاني على بخور والدته، جدتي عرفة النويمي، قبل الإفطار. وكان ذلك البخور أكثر من رائحة، كان طقسًا يعلن دخول زمن مختلف، زمن تعود فيه الروح إلى أصلها، ويُستدعى فيه الهدوء الذي لا تصنعه الكلمات، ومع هذا البخور كان عصير قمر الدين حاضرًا في البيت، الذي اختفى بعد وفاتها، وبعد فقده والدته وسفر والده، جدي مصلح، للإقامة خارج المملكة. استوعبت بعد سنين أن زيارته لمقبرة الرويس بعد كل صلاة عيد فطر، واتصاله بجدي بعد ذلك، كانت محاولة يستعيد بها رمضان الذي يعرفه ونشأ عليه بعد أن فقد ملامحه القديمة، منذ ذلك الوقت أدركت أن رمضان ذاكرة تتغير حين يغيب الذين كانوا يمنحونه نكهته الأولى.
ثم تأتي صورة أخرى لا تغيب: قراءته للمصحف بعد صلاة العصر في صالة منزلنا، بجوار جدي مصلح. كان هذا المشهد من أكثر المشاهد التي أشعرتني بأن القرآن عند أبي ليس واجبًا فقط بل صحبة. لم يكن يقرأ ليُقال إنه يقرأ، بل كان يقرأ لأن القراءة عنده جزء من نظام السكينة. وكأن المصحف ركنٌ من أركان البيت، كما كانت العائلة ركنًا من أركان الإيمان.
كان يعلمني شيئًا ظل يرافقني كفلسفة حياة لا كنصيحة عابرة. كان يقول لي دائمًا: «اطلب من الله البركة، لا الزيادة.» كنت صغيرًا فأظنها عبارة من عبارات الدعاء، ثم كبرت لأفهم أنها رؤية كاملة للعالم: البركة عند أبي كانت تعني أن يكون القليل كثيرًا في أثره، وأن يكون الزمن أطول من ازدحامه، وأن يكون الرزق أكثر اطمئنانًا من وفرته. وكان هذا الوعي جزءًا من عمق شخصيته، فهو رجل مهووس بالمعنى.
ومن الأشياء التي كانت تدهشني فيه أنه كان متواضعًا طوال السنة لا في رمضان وحده، غير أن أبي كان يرفض أن يُسمّى ذلك تواضعًا بالمعنى المتداول، لأن التواضع ـ كما كان يفهم ـ قد يوحي بأن الإنسان يملك شيئًا يرفعه فوق الآخرين ثم يختار ألا يستخدمه. أما والدي فلم يكن يرى نفسه مختلفًا أصلًا، ولم يكن يشعر أنه يقف في مرتبة تستدعي منه أن يتنازل عنها. كان يعيش ببساطة داخل العالم، لا فوقه. كان يتعامل مع الناس من موقع يراه طبيعيًا لا موقع أفضلية أو استعلاء، وكان ذلك جزءًا من إنسانيته التي لا تحتاج إلى استحضار. ولهذا كان احترامه للناس سابقًا لأي تقييم اجتماعي أو رتبة وظيفية. رأيته يتعامل مع السائق والحارس والخادمة بإنسانية كاملة، لأن الاحترام في صميم تكوينه حق طبيعي لا يُقاس بمن يعرف أو بمن يُعرف. هذا جزءٌ من فهمه العميق للحياة حيث يُقاس الإنسان بما يمنحه لمن هم أقل قدرة على الدفاع عن أنفسهم، لا بما يقدمه لمن هم في موقع القوة.
وكان وفاؤه للعائلة لا أستطيع وصفه إلا بأنه وفاء طويل النفس، حافظ على مناسبات العائلة التي لم يقطعها. وكان يوم الاجتماع الأسبوعي في بيت خاله، جدي سالم النويمي، ثابتًا في حياته لمدة ثلاث وخمسين سنة، منذ خطبته لابنة خاله، أمي عائشة النويمي، حتى بعد أن توفي جدي وأبناؤه -رحم الله والدي وأخوالي ممن هم قريبين من والدي في السن.
أبي كان يرى أن العلاقات تعيش بالحضور، وأن الأسرة مسؤولية زمنية تظل قائمة ما دام الإنسان قادرًا على أن يطرق الباب ويقول: «أنا هنا.»
ومن وفائه الذي لا يُنسى علاقته بأخته، عمتي صلوح، وأبنائها الذي توفي أبوهم مبكرًا. كانت العلاقة بينهما جزءًا من منظومة الحنان التي لم تكن تُقال كثيرًا، لكنها كانت تُفهم. أبي لم يكن رجلًا يكثر من الاستعراض العاطفي، لكنه كان يمنحها ما يكفي ليكون حضوره وحده رسالة طمأنينة.
كما كانت لوالدي سكينة خاصة يهرب بها إلى مكتبته بالطابق الثاني في منزلنا في الرويس سابقًا، ومنزلنا الحالي شمال مدينة جدة، وعندما تتنازعه الرغبة في القراءة والرغبة في الجلوس معنا، كان يحضر ما يقرأ ويجلس في ركن الصالة. كان يسرق الوقت ليقرأ قبل أن نطلب منه أن يشاركنا. كان الكتاب بالنسبة له ضرورة، والقراءة شكلًا من أشكال العيش. لقد كان يقرأ كما يتنفس، وكأن المعرفة عنده من شروط الحياة.
وعلى الرغم مما تمنحه القراءة من سكينة، كان احتواؤه لنا واحتضانه أمرًا لا يمكن نسيانه، كان يدخل في نوبة أسئلة متكررة: ماذا تريد؟ ماذا تريد؟ ماذا نطلب؟ نأكل؟ شاي؟ قهوة؟ كانت هذه الأسئلة هي لغته الخاصة في الحب، يكرر السؤال ليطمئن أن من يحبهم لا ينقصهم شيء.
ولعل من أعجب ما بقي في ذاكرتي عنه أنني لا أذكر أنه اغتاب أحدًا، كان لسانه شديد التعفف. الاستثناء الوحيد كان نقده المتعلق بالمجتمع، وهو استثناء كنت أفهمه، لأن النقد عنده مسؤولية أب يربّي على المعنى، كان يهاجم الرداءة لا الناس، ويجادل الأفكار لا الأسماء، وكأنه يضع حدا واضحًا بين الأخلاق وبين حقه في أن يقول رأيه. وأذكر كيف كان يعيد ترتيب الجملة «لا تدع للخلاف أن يفسد للود قضية» إلى «لا تدع للود أن يفسد للخلاف قضية» وكأنه يحاول أن يوصل لنا ضرورتين: ضرورة الاختلاف، وضرورة الود.
لذلك لا أذكر أن والدي تحدث بكره عن أحد، وأعترف أني كنت أشعر بغضب تجاه خصومه غير الشرفاء، ممن حاولوا إيذاءه لأنهم اختلفوا معه، وكنت أستغرب من تسامحه وهو يتحدث عنهم.
كان شديد التسامح، لطيفًا جدًا، واسع الصدر. وكان يقول لي دائمًا عبارة أراها اليوم خلاصة تجربته في الحياة: «ارضَ عندما تشعر بالرضا، لا تنتظر أن يعتذر لك أحد”. فهمت بعد سنين أن هذه الجملة لا تعني التنازل بقدر ما تعني التحرر من تعليق السلام الداخلي على اعتذار الآخرين، ومن تحويل النفس إلى ساحة انتظار. كان -يرحمه الله- يريدني أن أفهم أن الرضا قرار، وأن الطمأنينة لا ينبغي أن تكون مؤجلة.
لهذا كله، سأبقى أذكر والدي كرجل كان رمضان جزءًا من كينونته لا جزءًا من جدوله، كان يعيش فيه فلسفته في الحياة: قليل الكلام، كثير المعنى، قلبه رحيم، ثابت الوفاء، حاضرًا في العائلة قريبًا من الضعفاء، شديد الاحترام للإنسان، عميق الارتباط بالقرآن، صديقًا للكتاب، وصاحب قلب يعرف أن البركة هي الاسم الآخر للحياة الطيبة.
** **
- م.إقبال بن يعيد السريحي