حاورته - سارة العَمري:
التوثيق الأدبي يعيد تشكيل الذاكرة الثقافية، ويضع معياراً واضحاً للحضور في المشهد؛ ومن هذا المنطلق جاء «معجم الأدباء السعوديين» مشروعاً بحثياً واسعاً اشتغل على الحصر والمراجعة والتدقيق، مستنداً إلى منهج محدد لا يفرق بين اسم وآخر إلا بقدر ما يثبته الإنتاج المطبوع.
في هذا الحوار، يتحدث الباحث والأديب السعودي الدكتور خالد بن أحمد اليوسف عن رحلته مع علم التراجم والسير، عن لحظة اتخاذ القرار، وتحديات الوصول إلى المعلومة، ومعايير الإدراج، والاعتراضات التي واجهها، وحدود الاكتمال في عمل يوثق مشهداً لا يتوقف عن التحول.
* ما اللحظة المفصلية التي جعلتك تقول هذا المشروع يجب أن يبدأ الآن وليس لاحقاً؟
بدايةً لست غريباً أو بعيداً عن علم التراجم والسير، فتخصصي -علم المكتبات والمعلومات- غرس في داخلي هذا الوله والحب والعشق، مما انعكس على مسيرتي الحياتية والعملية، وقد مارست هذا كثيراً، واشتغلت على كتابات كثيرة فيها تراجم وسير، في الصحافة، وفي بحوثي وكتبي، إلى أن جاء عام 1412هـ/ 1992م، حيث كُلفت من الأستاذ/ محمد الشدي، رئيس مجلس إدارة الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، بالعمل على: دليل الكاتب السعودي، وبعد انطلاقتي غيرت اسمه إلى: دليل الكتّاب والكاتبات، وصدر عام 1415هـ/ 1994م.
استفدت من هذه التجربة كثيراً، وأصبحت ملازمة لي في أعمال وكتب متنوعة، إلى أن جاء عام 1434هـ/ 2013م، وعرض عليّ مراجعة كتاب متخصص في هذا المجال، وهو كتاب كبير، وبعد انتهائي منه وصدوره، تحركت لديّ النية لعمل أكبر يُعنى بالتراجم والسير، ويكون من تصميمي ووضع القاعدة له، وأعلنت عن ذلك في عام 1436هـ/ 2015م، أني سوف أبدأ بالعمل على: معجم الأدباء السعوديين، وأعلنت في جميع الوسائل الإعلامية والتواصلية إلى جميع الأدباء السعوديين، مطالباً بتعاونهم وإرسال معلوماتهم وسيرهم إليّ، ثم بدأت بالاتصال المباشر، والبحث والتنقيب والجمع وتكوين المعلومات عن أدبائنا السعوديين.
* ما أصعب التحديات التي واجهتك أثناء إعداد المعجم.. هل كانت نقص المعلومات، أم اختلاف المصادر، أم موقف بعض الأدباء أنفسهم؟
أصعب التحديات هي الوصول إلى المعلومة الصحيحة، وهذه معاناتي الدائمة، وخصوصاً إذا ارتبطت بالأشخاص، ثم نشر الكتاب وإصداره من الجهات الرسمية، ولم يكن أمامي حينها إلا الأندية الأدبية، وكان الرد المتفق عليه منهم أنه مكلف ولا نستطيع تحمّل ميزانية بهذا الحجم، ثم كان التحدي الأكبر توقفي عند شعوري بعدم الجدوى من إصداره، ومجيء كورونا التي عطّلت كل شيء.
إلا أن الخيرة فيما اختاره الله، الذي غير أمامي المسار، ويسر قلوب الآخرين بعد ذلك، وتجاوب الكثير منهم، وعدت من جديد لمراجعة المعلومات والإضافة والتعديل والتنقيح، والإصرار على إصداره، وعند الاتفاق مع ناشر عزيز عليّ، جاءته ظروف صعبة فتوقف، ولم يخبرني عما يمكن العمل به مع كتابي فاتخذت القرار وخاطبت الأستاذ نبيل مروة، صاحب مؤسسة الانتشار العربي، وأخبرني بعد رؤية الكتاب ومراجعته أنه سيعيد إخراجه من جديد، وسيعيد تصميمه، ولم يكن أمامي إلا الموافقة لكي يخرج بأجمل الطرق والأساليب الفنية الراقية، وأحمد الله تعالى أنه خرج راضياً مرضياً، ونال إعجاب الجميع.
* هل التوثيق الأدبي مجرد نقل معلومات أم أنه اختيار يحدد من يبقى حاضراً في الذاكرة الثقافية ومن يختفي؟
الأمانة العلمية كانت حاضرة أمامي في كل خطوة أخطوها، لهذا وضعت قاعدة كاملة لكل أديب يدخل في هذا المعجم، ليس هناك اختيار عشوائي، فجميع الأدباء أمامي في مستوى واحد، وأول ذلك صدور مؤلف أدبي يثبت حضوره ورسوخ اسمه في الساحة الأدبية والثقافية، أو أن يكون له إنتاج يوازي المؤلفات أو أكثر من ذلك. ثم إن تعريف الأديب هو ما اتفقت على تسميته جميع القواميس والمعاجم العربية والأجنبية، ولا داعي لذكر التعريف والمراجع حتى لا أطيل في مساحة الإجابة، وخلاصة القول: إن الأديب هو من خلّد نتاجه الأدبي في كتاب يتم تداوله، ويبقى مع الزمن حاملاً اسمه.
* لماذا اخترت أن يغطي المعجم امتداداً زمنياً يقارب 150 عاماً، ولماذا لم تكتف بفترة زمنية أقرب وأكثر توثيقاً؟
منهجي واضح ودقيق ومتوازن وصارم وموثق، وضوحه يكمن في أن الأدباء الذين يشملهم هم السعوديون بكل ما تحمله هذه الصفة من و طنية، ومعلوم أن هذه الصفة بدأت مع تأسيس الدولة السعودية عام 1727م، والدقة هي: كل أديب سعودي له نتاج أدبي مطبوع، أو له نتاج منشور يوازي المطبوع أو أكثر.
والتوازن جاء في المساحة التي خصصتها لكل ترجمة وسيرة للأدباء، وهي ألا تتجاوز الكلمات عنه ما بين السبعين إلى الثمانين كلمة، إلا الأعلام البارزين الذين لو أردت التركيز في سيرهم فلابد أن أصل إلى مئة كلمة، وهم قلة. والصرامة جاءت بالضرورة الملحّة أن أطبق منهجي على الجميع، ويتمثل ذلك في؛ الاسم الرباعي، اسم الشهرة، مكان الميلاد وتاريخه، آخر شهادة علمية حصل عليها الأديب وتخصصها ومن أي جامعة وتاريخ التخرج، الوصف الكامل لمسيرته الأدبية والثقافية، حضوره ومشاركاته وأعماله، المؤلفات ونوعها وتاريخ الإصدار على ألا تتجاوز ستة عناوين.
ومع هذا المنهج الواضح جاءتني اعتراضات كثيرة على وجود الاسم الرباعي، وأكثر رفضاً من النساء وبعض الرجال لوجود تاريخ الميلاد! بل هناك من يرفض ذكر تاريخ تخرجه الجامعي، وبصراحة توقفت عند تاريخ الميلاد لكثرة الرافضين، وتنازلت عنه، فمن شاء فليذكره ومن شاء عدم ذكره فله الحرية في ذلك، وأفيد الجميع أني لم أتقصد إهمال أي معلومة إلا بموافقة أو طلب من صاحبها، أما التوثيق، فهل رجع غيري من المؤرخين إلى نتاج الأدباء أنفسهم؟ هل راجع غيري أكثر من تسعة آلاف كتاب إبداعي وتاريخي ومرجعي؟ هذا ما قمت به في كتابي هذا، وقد قرأت وطالعت معظم الإنتاج الشعري والقصصي والمسرحي والروائي، بخلاف كتب التراجم والسير السابقة.
* واجهت اعتراضات من بعض أفراد الوسط الثقافي.. ما طبيعة هذه الاعتراضات، وهل أثرت على طريقة عملك أو اختياراتك؟
هي ليست جديدة؛ لأن المحبطين لا حصر لهم، وقد اعتدت كثيراً على تركيبة الشخصية الإبداعية والأديبة، حيث المزاجية طاغية على مسار حياة بعضهم، والأنا كبيرة جداً عند آخرين، وهناك من لا يبالي بكتاباته ونتاجه ومؤلفاته، وبما أنني متخصص في الحصر والرصد والمتابعة الببليوجرافية للأدب السعودي، ويهمني الدقة والموضوعية والمصداقية والوضوح، فإن كل ذلك يتطلب مني التواصل مع كل أديب على حدة، وقد واجهت ردود تعاملهم وتفاعلهم السلبي بهدوء وأخوّة حميمة، والحمد لله أن هذا التعامل أكسبني المراس والعِشرة الناجحة مع الجميع.
* هل تعتقد أن المعجم قد كرّس أسماء مركزية على حساب أصوات هامشية لم تمتلك أدوات الظهور؟
كما أخبرت في الإجابة السابقة، أنا لم أترك أحداً، ولم أتقصد إهمال أي أديب سعودي له نتاج مطبوع، إلا من أراد ذلك، وليس أمامي أسماء مركزية وأسماء هامشية، الجميع في مرتبة واحدة، وهي الإنتاج الأدبي المطبوع والمطروح، ولهذا حضر في هذا المعجم مئات الأسماء الجديدة التي لم يُترجم لها من قبل، ومن هنا نال التميز والتجدد، ومن منبر الثقافية أخبركم بشهادة كبيرة نلتها من مئات القراء والباحثين والمتلقين والمتخصصين بكتب التراجم والسير، أن كتابي هذا هو أفضل وأقوى كتاب صدر خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، واعتُبر المعجم بشهادة الجميع أنه المرجع الأول للأدب والأدباء في المملكة العربية السعودية، وهذه من أعلى الشهادات التي أعتز بها، وهم القراء.
* هل غياب بعض الأسماء عن المعجم سببه ضعف إنتاجها أم ضعف وصولها إلى منظومة التوثيق؟
أبداً، لا هذا ولا ذاك.. إن غياب بعض الأسماء نتيجة عدم وجود وسيلة اتصال بهم، وهم من الذين لا صلة لهم بوسائل التواصل الاجتماعي، ولا بالإعلام عامة، بل هم الذين لا يهتمون ولا يبالون بالترجمة لسيرتهم ووجودهم في كتب التراجم، رأيت هذا كثيراً، ومررت بمواقف لا حصر لها مع الأدباء عامة، إلا أنها زادتني إصراراً على مواصلة عملي البحثي، ولم ولن أتوقف مهما كانت الأسباب.
* هل العدد الكبير للأسماء قوة معرفية أم أنه يخفف من فكرة القيمة والتميّز الأدبي؟
عند العمل في مشروع كهذا، وتحت منهج واضح، لم أفكر بالعدد نهائياً، ولم أفكر أو أخطط للوصول إلى أكبر عدد ممكن؛ لأن الذي يهمني هو اكتمال خطتي ومخططي ليكون ناجحاً متكاملاً، ومن هذا المنطلق لم أُدرج من لم تكتمل معلوماته، وعددهم كثير جداً، وتوقفت عند 1544 أديباً وأديبة. والأسئلة حول هذا كثيرة: لماذا لم تتوقف عند 1545 مثلًا لأن الرقم قوي؟! أو عند 1550 وهذا أقوى؟! ومنهجي وخطتي تقول: ليست بالأرقام، بل بالمضمون واكتمال المعلومات، وهذا هو الواقع.
* ما الخطأ الذي تخشى اكتشافه مستقبلاً في هذا المعجم بعد تداوله أكاديمياً؟ وهل تقبل أن يُعاد بناء المعجم بأدوات مختلفة مستقبلاً؟
لم أفكر بالأخطاء لأنها طبيعية، وقد راجعت الكتاب عدة مرات، ومع ذلك حصلت أخطاء طفيفة بعد الطبع ووصوله إلى أيدي القراء، واكتشفها الأصدقاء الخُلّص الذين يهمهم نجاح المعجم، وقد تواصلوا معي شخصياً، وقمنا بالتصويب والإضافة والتنقيح بكل حب وأريحية، وهي أخطاء لا تضعف ولا تغير من مكانة المعجم، ولأنها يسيرة عولجت في وقت يسير.
أما الصفة الأكاديمية التي أُجلها وأقدرها وأحترمها، فليس لها مكانة أمام المعجم، وأعمالي – ولله الحمد – التي قدمتها خلال خمسة عقود هي التي تخدم الأكاديميين، وهي التي يستفاد منها في بحوثهم ودراساتهم، بل إن الكثير منهم يحيلون طلابهم إليّ للاستفادة مما لديّ من معرفة وعلم وهذا ليس تعالياً، بل اعتزاز وشرف لي؛ لأن صفة الأكاديمية ليست بالشهادة فقط؛ ومؤكد أنه لن يعاد بناء المعجم بطريقة أخرى؛ لأن لكل مؤلف وباحث ودارس منهجاً خاصاً به، ولن يقبل تغيير منهجه.
* هل ترى أن هذا المعجم يمثل صورة نهائية للأدب السعودي أم لحظة زمنية قابلة للتصحيح والمراجعة؟
مؤكد أن الأدب السعودي منذ أول كتاب صدر فيه، قبل ما يزيد على مئة عام، لم يتوقف ولم يثبت على حال، بل مرّ بمراحل وتغيرات وتحولات لا حصر لها، وهي طبيعة زمنية للخلق والبحث عن الجديد. وكل ناقد متخصص في علم التراجم والسير سيجد هذا بين كتاب وآخر، منذ أول كتاب متخصص في ذلك إلى أن صدر كتابي، ومن سيأتي بعدي لا بد أن يجد منهجاً وأسلوباً مختلفاً يتناسب مع زمنه.
* هل سيكون المعجم متاحاً للبحث الرقمي مستقبلاً، ولماذا اخترت في هذه المرحلة الشكل الورقي في زمن المعرفة المفتوحة؟
لا أؤيد أبداً أن يكون كتابي الذي أرهقني كثيراً ليلاً ونهاراً متاحاً بصيغة رقمية، وأن يدخل الباحث بكل هدوء وسكينة إلى نافذة، ومن خلال رابط يصل إلى أي أديب يريد، عشقي للكتاب الورقي ما زال قوياً ومتجذراً في روحي، وربما مستقبلاً إذا اطلعت على برامج تتيح كتابي رقمياً بطريقة مناسبة أوافق عليها.
يخرج هذا المشروع من دائرة الجمع إلى مساحة الرصد المنهجي، حيث تتحول الأسماء إلى سجل موثق يقوم على القراءة والتدقيق والصبر، عمل يحاول تثبيت الذاكرة في صيغة قابلة للمراجعة، ويترك الباب مفتوحاً أمام زمن سيكتب معاجمه بطريقته.