ومع قسمات الفجر الباسم، وأغاريد الطيور التي تملأ الأرجاء فألًا وأملًا، وجمال الشروق الساحر الذي يسلب الألباب، وأنفاس الصباح التي تنقّي أكسجين الروح، وتحشو شعبها الهوائية سكينة وراحة، وهديل الحمام المنطلق من السواقي والأنهار، يرن منبهه فيصحو بوجه مكفهر قد دجاه السواد، ونفس قد خنقتها العَبرات، وروح تلفظ زفرات وأنات، وكأن من ينظر إلى حاله يخال أنه صارع كل أمراض الدنيا بأشكالها وألوانها، وأنه لم يذق طعم السعادة قط أبدًا، ولم ترفأ نفسه وتهدأ من وعثاء الحياة ويُسبل عليها وشاح الراحة، فهو ما ينفك عن التفكير في الدقيقة القادمة قبل الدقيقة التي هو يمشي فيها، دومًا ما يهمهم بينه وبين نفسه: ماذا سأكون في الغد؟ هل سأحقق ما أصبو إليه؟ وما الذي أصبو إليه في الأصل؟ هل أنا مجهول الهوية؟ هل من وجودي قيمة؟ هل سأكون ذا شأن في المستقبل؟ هل وهل وهل؟ ذهنه دومًا محشو بالأسئلة ما إن يمسك بطرف خيط لإجابة عن تساؤل إلا ويفلت بتساؤل كالرعد مدوٍ يشعل أوارًا داخل عقله فتستحيل لحظات يومه حربًا شعواء تسلب الراحة والسعادة، فهو إن ثافن أهله أطرق يفكر، وإن نطق سكب هموم اليوم، وهموم الغد الذي في الغيب علمه، وهموم سنين لم تأتِ بعد، ولا يعلم أهو آنذاك سيرفل بثوب الحياة أم سيكون في غيابة القبر ثم اسمًا يبقى ذكره على اللسان أو يُطوى في صفحة النسيان، وإن رأى الأطفال وبراءتهم رمقهم بنظرة شزراء مع أنّة أسًى تحسدهم على راحة بالهم فتبغي مثلها، وعلى صغر أحلامهم فتشفق على طول طريق حياتهم الذي
شرع لتوه وكيف سيسلكونه ومدى وعورته، وإن اجتمع بصحبه وخلّانه لا يفتح موضوعًا ولا يجري على لسانه سوى ذكر المستقبل المخبوء قبل أن يتفقد أحوالهم، فتتضعضع الجلسة ويمتعض الجميع بسببه ثم يعجب عن عزوف الناس لمثافنته، وإن أوكلت إليه مهمة بلغت من درجات التعقيد أوجّها فأنجزها ثم شطبها بروح النصر من قائمة مهامه جشّم نفسه المسكينة همّ مهمة لم تُسند إليه بعد بدل أن يرتشف من كأس الظفر بإنجاز كان كالصخرة على كاهله، وإن خرج إلى حديقة ليستنشق الحياة من جديد ويقشع سحب الهم مع غروب اليوم وإيذان وداعه عجِب كيف ترتسم الابتسامة على شفاه الناس؟ وكيف يضحكون ويعيشون سعداء حتى ليحسبهم الجاهل أسعد الخلق وإن طفت المتاعب على سطح حياتهم؟ وما إن ينتهي يومه المظلوم الذي قرر قضاءه في هدوء والنعوم براحة البال إلا وقد تاهت النفس في دروب التيه وأضاعت البوصلة الاتجاهات، فقد قتلتها الحيرة والتساؤل فيؤثر عندئذ الموت الزؤام على الحياة! فليت شعري أين هذا ممن يقول: «عش يومك»؟! نعم عشه بكل تفاصيله، واستمتع بكل لحظاته، ودع الغد في الغيب، فاليوم إن رحل لن يعود، وما ابن آدم إلا أيام، إن ذهب منه يوم ذهب منه بعضه! لا تتلفت ها هنا أو هنا ولا تتطلع لغير السماء، سائق الأقوات والأرزاق معك فامضِ ليومك وستسعد روحك دومًا لاستقبال يومك الجديد بكل راحة واطمئنان!
** **
- لطيفة السكيت