برج غلفة هو أحد أبراج سور الطائف الذي بُني سنة 1214هـ / 1799م، وذلك بأمر من والي الحجاز الشريف غالب، الذي كلف بدوره حاكمه على الطائف سليمان بن أحمد الهايف بتنفيذ بنائه، بهدف تحصين المدينة وتعزيز دفاعاتها، وقد أُحيطت المدينة بالسور إحاطة كاملة، وزُوّد بعدد من الأبواب والأبراج الدفاعية، كما أُنشئ خندق يحيط به من الخارج لزيادة مستوى الحماية، وكانت المدينة في تلك الفترة تضم هضبة الريع وجبل ابن منديل من جهة الغرب، وقرية الهضبة التي شملت أهل علو الهضبة وأهل أسفلها، واللتين عُرفتا لاحقًا بحارتي فوق وأسفل؛ حيث تقع حارة فوق في الركن الجنوبي الغربي داخل السور، بينما تشمل حارة أسفل النصف الشمالي من داخله، كما استُحدثت لاحقًا حارة السليمانية في الركن الجنوبي الشرقي، وقد بلغ عدد أبراج السور ثلاثة وعشرين برجًا، توزعت على أضلاع السور المختلفة، منها ستة أبراج في الضلع الشرقي، وخمسة أبراج في الضلع الجنوبي، ويُعد برج غلفة البرج الوحيد المتبقي منها حتى اليوم، ويقع في الركن الجنوبي الغربي من السور.
وقد ذكر الأستاذ الدكتور سليمان آل كمال أن هذا البرج ظل قائمًا في موقعه حتى وقت قريب، إلا أنه تعرّض في الآونة الأخيرة لتهدم جزئي مؤسف، وينقل الدكتور سليمان آل كمال عن محمد عبد الرحيم الصديقي نصًا مهمًا يذكر فيه: «برج الغلفة بين البلدية وبين بيت عبد الله قاضي المسمى بالكويت، وكان هذا البرج في عهد الأتراك يُطهَّر فيه الأولاد، أي يُختنون، إذا بلغ الغلام سبع سنين، ثم يمكث هذا الغلام في هذا البرج ثلاثة أيام، فإذا تعافى كسوه وأعطوه ثلاث مجيديات، وسلموه إلى ذويه». ويشير آل كمال إلى ما ذكره ابن منظور في لسان العرب، في مادة (غلف)، إلى أن «الأغلف» هو غير المختون، وهو ما يفتح بابًا لتفسير تسمية البرج.
ويشير هذا النص إلى وظيفة اجتماعية وصحية ارتبطت بالبرج في فترة من الفترات، مما قد يفسر ارتباط اسمه بجذر «غلف» وما يحمله من دلالات لغوية.
والذي أراه أن اسم «غلفة» مرتبط بدلالة إدارية عثمانية، حيث يشير مصطلح «غلفة ديواني» أو «غلبة ديواني» (ديوان الغلبة) إلى مجلس رسمي استثنائي في النظام الإداري العثماني، كان يُعقد لتوزيع الرواتب الفصلية للعاملين في المؤسسات العسكرية والمدنية، كما كان يُستخدم لاستقبال السفراء والوفود الرسمية، وكان هذا المجلس يُعرف أيضًا باسم «مجلس العلوفة»، وهي كلمة تعني في أصلها «العلف الذي يُقدّم لحيوانات الحمل»، لكنها استُخدمت اصطلاحًا في البيروقراطية العثمانية للدلالة على المخصصات المالية والرواتب الدورية التي تُصرف للعسكريين وموظفي الدولة، بل وحتى لبعض أفراد الأسرة الحاكمة والمرتزقة، وفي هذا السياق، كانت كلمة «علف» تُقابل إداريًا مصطلح «مُوجَّر».
ومن هنا، فإن تسمية برج غلفة قد ترتبط بوظيفة إدارية أو عسكرية ذات صلة بالنظام العثماني، وربما كان الموقع أو المنطقة المجاورة له مرتبطًا بأنشطة إدارية أو عسكرية تتعلق بتنظيم شؤون الحامية أو توزيع المخصصات، مما يعكس التداخل بين الوظيفة الدفاعية والعسكرية والتنظيم الإداري في بنية المدن التاريخية خلال العهد العثماني.
وقد تكون ذات صلة بالدلالة اللغوية المرتبطة بمادة «غلف»، في ضوء ما ذُكر من استخدامه في طقوس الختان خلال العهد العثماني، ولا يُستبعد أن تكون التسمية قد جمعت بين الدلالة الوظيفية والاجتماعية عبر مراحل تاريخية مختلفة، وهو ما يستدعي مزيدًا من البحث في الوثائق العثمانية والمصادر المحلية لتحديد الأصل الأدق لهذه التسمية.
**__**__**__**__**__**
المراجع:
• سليمان بن صالح آل كمال: فصول من اللطائف في تاريخ الطائف.
• ناصر بن علي الحارثي: مدخل إلى الآثار الإسلامية في محافظة الطائف.
• صالح سعداوي صالح: مصطلحات التاريخ العثماني، (غلبة ديواني).
• islamansiklopedisi.org.tr: (galebe divani)
** **
د. منصور بن مرزوق الدعجاني - الطائف