في إنجازٍ وطنيٍ يُضاف إلى سجل المملكة الممتد تاريخياً وجغرافياً، تُوِّجت مدينة حائل بجائزة «المدينة العربية الخضراء» الصادرة عن منظمة المدن العربية في دورتها الخامسة عشرة لعام 2026، لتكون أول مدينة عربية تنال هذا اللقب.
وحائل، هذه المنطقة التي تعيش جمال حضورها في هذا العقد المضيء على صدر هذا الوطن المجيد، المملكة العربية السعودية، تتنفس الصباح بعبير أوردة الزهور في جسد الجمال والتيه، وتستمطر العطر والمطر من أكمام زهور الخزامى في أردانها التي تفيض بالأقحوان، عازفةً سيمفونية حب في رياض تفرش العشق مع رمال ذهبية. هناك، تنحني الزهور من سيقانها لتقبل رمال الروض، توشوشه بحديث بياض الأزمنة المضمخة برائحة مواقد الكرم الحاتمي، تستنطق التاريخ الجميل لينهض كريم العرب من بين صخور قصره في «توارن» مشمراً عن ساعديه ليقدم القِرى لضيوفه، مردداً لغلامه يسار:
أَوْقِدْ فَإِنَّ اللَّيْلَ لَيْلٌ قَرُّ
وَالرِّيحَ يَا مُوقِدُ رِيحٌ صَرُّ
لَعَلَّ يَرَى نَارَكَ مَنْ يَمُرُّ
إِنْ جَلَبَتْ ضَيْفاً فَأَنْتَ حُرُّ
هذه الجائزة العربية لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة تنمية مستدامة واقتصاد أخضر أكدت عليه الرؤية المباركة لسمو ولي العهد الملهم الأمير محمد بن سلمان، وبتوجيه كريم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-.
والمملكة تؤكد أن التنمية المستدامة هي إحدى الركائز والمستهدفات التي تسعى لها، حيث أصبحت بلادنا في ظل هذه الرؤى بيئة خلّاقة لأبعاد متنوعة من المساحات الخضراء والحفاظ على الغطاء النباتي في واحات مبهجة وباعثة على السعادة والتفاؤل بمستقبل مشرق، ليس على مستوى منطقة واحدة فحسب، بل امتد هذا العمل المؤسسي البصير إلى مناطق المملكة كافة، مستثمراً التنوع المذهل لبيئات وجغرافية المناطق في عمل دؤوب تُنجزه الإرادة الواعية.
وتزخر حائل بتعدد التضاريس والمقومات البيئية التي جعلتها وجهة سياحية هامة، ارتكزت على ركيزتين أساسيتين هما: (الطبيعة والإنسان). فالطبيعة بتنوعها المبهر تشمل المناظر الطبيعية، والحياة النباتية، والجبال الشاهقة (أجا وسلمى)، وأشجار الطلح الخضراء التي تفرش سفوح الجبال، والبطحاء الحمراء التي تكسو السهول والأودية، والنفود الذهبي الحالم، والهضاب، والقلاع، والمعالم التاريخية والتراثية، والمواقع الأثرية، والرسوم الصخرية، ومنازل حاتم الطائي.
والميزة الأخرى هي «إنسان حائل» المضياف، الذي يتفانى في خدمة الزائر والضيف، يرددون أهزوجة حب تجسد معاني الكرم المغروس في الذات؛ كرمٌ غرسه الجواد (حاتم الطائي) في سهول حائل لينبت ألف حاتم وحاتم. وها هم أحفاده يضرمون ناره، يلتفون حولها في حكايات لا تشيخ على ضوء النار ورائحة الهيل والقهوة في «قهاوي» بيوت الطين بالحارات القديمة العريقة، حيث يعبق التاريخ مختلطاً بعطر العود احتفاءً بالضيوف في بيوتٍ مفتوحة الأبواب.
وينتقلون بالضيافة إلى فياض الشيح والقيصوم في طبيعة حائل الساحرة، حيث تفرش زهور الربيع سفوح الجبال لتعانق رائحة النعناع الجبلي المشمس في صدر الجبل، تخالطها نسائم عطرية من حروف قصائد العشق التي أثارت قرائح الشعراء مثل امرئ القيس والبحتري وغيرهما، ممن نثروا على جبال أجا وسلمى قصائد الهيام في أحضان الطبيعة وسحرها الفياض. وكما قال الدكتور غازي القصيبي رحمه الله:
يَا حائلَ المَجْدِ مَجْدِي أَنْ أَكُونَ هُنَا
أُنِيخُ قَلْبِي فِي «سَلْمَى» الرُّؤَى وَ»أَجَا»
إن التناغم الملفت بين سمو أمير منطقة حائل الأمير عبدالعزيز بن سعد، وسمو نائبه الأمير فيصل بن فهد، وأهالي المنطقة، أفرز قيمة إضافية للشعور بأهمية المدينة الخضراء بمسؤولية تنموية طويلة المدى، التقت مع جهود أمانة منطقة حائل وحماس أمينها الطموح المهندس الزايدي وهيئة تطويرها؛ حيث تُرجمت التوجيهات إلى مشروعات خضراء ملموسة في الأحياء والميادين وبوتيرة متسارعة، شملت التوسع في المساحات الخضراء، وتحسين المشهد الحضري، ورفع كفاءة البنية التحتية، وتطبيق مفاهيم الاستدامة.
كل ذلك يأتي لتحقيق «مبادرة السعودية الخضراء»، وهي مبادرة وطنية طموحة تهدف إلى التصدي لتداعيات تغير المناخ وتحسين جودة الحياة، من خلال تقليل الانبعاثات الكربونية، وتشجير المملكة، وحماية المناطق البرية والبحرية.
إن الطموحات كبيرة لتحافظ حائل على هذه الجائزة، مستشعرين أن البيئة الخضراء ليست ناحية جمالية فحسب، بل هي بيئة صحية تضمن رفاهية السكان والضيوف، وتنعكس في النهاية على اقتصاد مزدهر.
وفق الله جميع المخلصين لخدمة الوطن وأبنائه.
** **
- علي بن حمود العريفي