- طَوَيْتُ الصفحة الأخيرة من كتاب: (دروب القافلة إلى سوق عكاظ) للأستاذ صالح بن مسعد النزاوي الجهني، ابن ينبع، وأحد كُتّابها الذين يحاولون شق طريقهم نحو حقول الأدب والكتابة والتوثيق.
التقيته في ينبع قبل نحو عام، وأخذني في جولة معرفية ماتعة (مع الصور) إلى بعض معالم وعيون وآثار (ينبع النخل) أثناء زيارتي لهذه المحافظة السعودية الجميلة الوادعة البديعة الهادئة جداً.
ولم يتوقف الأستاذ صالح عن عرض المعلومات التاريخية لمحافظته، وهو يعرضها بلهفة وشوق بما يجعلك تشتاق أن تسمعها، وأن تبقى بين معالمها.
وقد أصدر الأستاذ النزاوي باكورة كتبه (دروب القافلة..) الآنف الذكر عام 1442هـ، بالمدينة المنورة، وطَرَّز أولى صفحاته بإهداء إلى مقام صاحب السمو الملكي الأمير الشاعر خالد الفيصل.
بطاقة الكتاب: يتكون من 88 صفحة سوى الغلاف، و12 شاعراً وشاعرة، هم: امرؤ القيس، وطَرَفة ابن العبد، وعبيد بن الأبرص الأسدي، وعمرو بن كلثوم التغلبي، والحارث بن حِلِّزَة، وعنترة بن شداد العبسي، والنابغة الذبياني، وزهير بن أبي سُلْمى، ولَبيد بن ربيعة، والأعشى ميمون بن قيس، والخنساء تماضر بنت عمرو، وحسان بن ثابت.
ويطوف بك هذا الكتاب بحداء القافلة عبر عرض شعري ونثري رائق من موقع إلى وهاد، ومن غدير، إلى مرعى، وفي كل مكان.. قصة، ولكل مكان مقال وقصيد، وأنت تتنقل بين محطات، ومضارب شعراء المعلقات العشرة جميعا، إضافة إلى الشاعرة الخنساء، وحسان ابن ثابت. ويدلل على تلك المحطات بأبيات من قصائد مختلفة لكل شاعر، ولم يقتصر في استدلالاته الشعرية على أبيات المعلقات فحسب، بل جاء بسواها أثناء عرضه في الدروب التي يتناولها، كما سنذكر في آخر المقال.
كتاب قليل الصفحات في حجمه، غزير في محتواه.. قد حَرَّضَني وأنا لَمّا أصل إلى منتصفه بعد أن أغلقه إلى حين، وأعود إلى كل كتب (المعلقات) التي في مكتبتي، وأعرضها للمقارنة، والتقصي بين محتوياتها ومضامينها، لأنه ذكر أبياتا لبعض شعرائها، لم تكن قد مرت علي من قبل، ولم أجدها في بعض تلك الكتب التي أشرت لها للمقارنة، أو أنني كنت أعرفها، ولم أجدها في تلك الكتب التي نشرتها.
وقد تبين لي أن ناقلي هاتيك المعلقات لم ينقلوها لنا كاملة، أو أن ما جاء في بعضها قد يكون منسوبا لأولئك الشعراء.
فعلى سبيل المثال أن الكثير يعرف البيتين الشهيرين لعنترة العبسي من معلقته (الميمية)، وهما:
ولقد ذكَرْتكِ والرِّماحُ نواهِلٌ
منِّي، وبِيضُ الهندِ تقطُرُ من دَمي
فَوَدَدْتُ تقبيلَ السُّيوفِ لأنّها
لَمَعَتْ كبارق ثغركِ المُتَبَسِّمِ!
هذان البيتان الشهيران الرقيقان جدا لم أجدهما في شرح المعلقات للزوزني، وقد فاجئني هذا الأمر، وذهَبَتْ بي الظنون الكثيرة فيه من صدق أو إضافة أو انتحال أو تحريف أو حذف متبوع بهوى ... إلخ.
ثم عدت للكتاب، ووجدت أنه يأخذ القارئ في عرض جميل لأبيات مختارة من الشعراء المذكورين فيه يسبقها أو يتبعها تعليق أو تهيئة للأبيات، ولا تخلو تلك التعليقات من عبارات شاعرية جميلة طرّزَها المؤلف برؤيته وروحه الأديبة، وهي كثيرة في الكتاب.
وأتوقف عند أبيات لبعض الشعراء المذكورين في الكتاب، فهذا (امرؤ القيس) يذكر في معلقته:
ووادٍ كجَوْف العِيرِ قَفْرٍ قَطَعْتُهُ
به الذئبُ يعوي.. كالخليع المُعَيَّلِ
فقلتُ له لمّا عَوى: إن شأنَنا
قليلِ الغنى إنْ كنتَ لَمّا تَمَوّلِ
كِلانا إذا ما نالَ شيئا أفاتَهُ
ومَنْ يحترثْ حرثي، وحرثك يهزلِ
وتردد الأبيات المعروفة للشاعر الشاب طرفة بن العبد منذ أيامه حتى اللحظة، وقد جاءت ففي أواخر معلقته أيضا :
ستُبدي لك الأيامُ ما كنتَ جاهلا
ويأتيك بالأخبارِ مَنْ لم تُزَوِّدِ
ويأتيكَ بالأخبارِ مَنْ لم تَبِعْ له
بتاتا، ولم تضربْ له وقتَ موعدِ
ويقول زهير بن أبي سلمى في أبيات من غير معلقته:
وأبيضُ فياضٌ يداهُ غمامةٌ
على مُعْتِقيهِ ما تَغِبُّ فواضلُهْ
بكَرْتُ عليه غُدوةً فرأيتُه
قُعُودًا، لديه بالصّريم عواذِلُه
يُفَدِّينَهُ طَوْرًا، وطورا يَلُمْنَهُ
وأعيا فما يدرين: أين مخاتله
ويسير الكتاب كله على هذا المنوال، في تقديم معلومات معرفية، كما ذكرنا عن عدد لا بأس به من المواقع والأماكن الواردة في الأبيات المذكورة، التي ما زال بعضها قائما وان طرأ عليها تحريف أو قل ب في حروف اسمها.
ولَمستُ أن المؤلف لديه رؤية تاريخية، وطموح في مواصلة الكتابة، ويتطلع إلى جهات ثقافية حكومية أو أهلية لإصدار الطبعة الثانية من كتابه هذا (دروب القافلة إلى سوق عكاظ) حيث أن الطبعة الأولى عراها للأسف الشديد قَدْرٌ لا بأس به من الأخطاء الطباعية، والأسلوبية، وحاجة كثير من كلماتها وعباراتها للتشكيل، مما قد يغير معناها ونطقها.
كما أن قوافل الشعراء المذكورين لم تحط رحالها في (سوق عكاظ)، حيث عنوان الكتاب، بل تركها المؤلف تواصل سيرها حتى دون أن يذكر أنها قد مرت على السوق، من عدمه، على أن ذلك لا يقلل -بلا شك- من قيمة الكتاب ومحتواه الطريف.
وقبل أن نصل إلى السطر الأخير من هذه التطوافة السريعة، أهمس بمودة إلى أخي -أبي بيان-: أعلَمُ أن صدرك واسع لمثل هذه الملاحظات الهينة العابرة، متطلعين لكتب وابداعات (نَزاوية) أخرى، وأسأل الله لك التوفيق.
** **
محمد الجلواح - الأحساء، القارَة