«الثقافية» - كُتب:
تعد سيرة معالي الدكتور علي بن مرشد المرشد نموذجاً ملهماً في الجمع بين العمق الأكاديمي والحنكة الإدارية، حيث استطاع خلال مسيرته الحافلة أن يضع بصمة تاريخية في تطوير المنظومة التعليمية بالمملكة العربية السعودية، متسلحاً بخلفية علمية متينة وتجربة عملية ثرية.
وبدأت ملامح التميز في مسيرة د.المرشد من خلال مسار أكاديمي رصين، حيث نال درجة البكالوريوس من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرمة، وهي المحطة التي صقلت رؤيته الشرعية واللغوية، حيث واصل شغفه العلمي بحصوله على درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تخصص (اللغة العربية)، وهو التخصص الذي ظل ينعكس على فصاحته وبيانه في كافة المحافل المحلية والدولية.
ولم يتوقف عطاء د.المرشد عند المناصب الرسمية، بل عرف بإنتاجه الفكري ومشاركاته في المجامع العلمية، حيث يعد من المدافعين عن هوية اللغة العربية وأهمية تأصيل القيم الإسلامية في المناهج التعليمية. كما ترأس وأشرف على هيئات تحرير مجلات علمية متخصصة تركت أثراً في المكتبة التربوية السعودية.
ويعد معالي الدكتور علي بن مرشد المرشد من الشخصيات التي زاوجت بين العمل الإداري الرفيع والنتاج الفكري الرصين. ونظراً لتخصصه الأكاديمي في اللغة العربية وخلفيته الشرعية، جاءت إصداراته لتعكس هذا المزيج بين الأدب، والتربية، والقضايا الاجتماعية، وقد حظيت مسيرة معاليه بعطاء فكري وعلمي متميز، حيث صدرت له مجموعة من المؤلفات التي ستتناولها (الثقافية) في هذا العرض، ومن أبرزها كتاب: (الحرابة في الإسلام وأثر عقوبتها في حفظ الأمن ومكافحة الإرهاب والإفساد في الأرض)، وهو من أبرز المؤلفات الفقهية والقانونية لمعالي الدكتور علي بن مرشد المرشد، حيث يربط فيه بين الأحكام الشرعية التراثية والواقع المعاصر المتمثل في ظاهرتي الإرهاب والفساد، ويتناول فيه المؤلف التأصيل الشرعي لمفهوم الحرابة ليبدأ الدكتور المرشد بتحديد تعريف «الحرابة» لغةً واصطلاحاً، ليتطرق إلى عناصر الجريمة، حيث يوضح الكتاب أن الحرابة (قطع الطريق) تقوم على المجاهرة والقوة وإخافة عابر السبيل، سواء كان ذلك في الصحراء أو داخل المدن، ليتناول مصطلح الإرهاب، حيث يطرح المؤلف رؤية فقهية تعتبر العمليات الإرهابية المعاصرة والتفجير والترويع صورة من صور «الحرابة» و»الفساد في الأرض»، مما يستوجب إنزال أقصى العقوبات المقدرة شرعاً.
كما يحلل الكتاب الحكمة من تشريع عقوبات «الحدود» القاسية في ظاهرها، والرحيمة بالمجتمع في جوهرها: الردع العام والخاص: كيف تساهم العقوبة في زجر من تسوِّل له نفسه الإخلال بالأمن، ومبدأ التخيير والترتيب، حيث يناقش الفقيه د.المرشد آراء العلماء في كيفية تطبيق العقوبات الأربعة: (القتل، الصلب، قطع الأيدي والأرجل من خلاف، النفي من الأرض) بحسب جسامة الجرم، كما يتناول العلاقة بين الحرابة ومكافحة الإرهاب وهذا هو الجزء «الإستراتيجي» في الكتاب، حيث يربط المؤلف بين: الفكر الضال والفساد: كيف يؤدي الغلو إلى استباحة الدماء والأموال (وهي جوهر الحرابة)، وحفظ الضرورات الخمس: يثبت الكتاب أن إقامة حد الحرابة هو الوسيلة الفضلى لحماية (الدين، النفس، العقل، النسل، والمال)، وأثر العقوبة في تحقيق الأمن كما يستعرض الدكتور المرشد في الفصول الأخيرة الآثار الاجتماعية والأمنية المترتبة على تطبيق شرع الله في هذا الجانب: استتباب الطمأنينة: دور القضاء الصارم في تعزيز ثقة المواطن والمقيم بالأمن، والعدالة الناجزة: أهمية سرعة تنفيذ الأحكام في مكافحة الجريمة المنظمة والفساد الإداري والمالي الذي يؤدي إلى زعزعة استقرار الدول.
(الدعاء وأثره في حياة المسلم)
وكما صدر لمعاليه كتاب: (الدعاء وأثره في حياة المسلم)، وفي هذا الإصدار يلقي د.المرشد الضوء على القيمة الجوهرية للعبادة في هذا الكتاب الذي يقدم فيه قراءة تأملية تربط بين النص الشرعي والراحة النفسية للمؤمن، حيث تناول «الدعاء» ليس بوصفه مجرد كلمات تُردد، بل باعتباره عبادة مهمة، وأقوى سلاح يمتلكه المسلم لمواجهة تقلبات الحياة. وأوضح معاليه أن الاستشعار القلبي والثقة المطلقة في الله هما الركيزتان الأساسيتان لتحقيق أثر الدعاء في استنزل الرحمات ودفع البلاء.
وختم معاليه كتابه بالتأكيد على أن الدعاء لا يلغي العمل بالأسباب، بل هو المتمم لها والمبارك في نتائجها، داعياً إلى جعل «ثقافة الدعاء» جزءاً أصيلاً من اليوم الليلة للمسلم.
إحياء تراث الإمام أحمد بن حنبل
كما أحيا د.علي المرشد تراث «الإمام أحمد بتناوله الرصين لكتاب «الأشربة» لابن حنبل، عبر دراسة معمقة تهدف إلى إحياء أمهات الكتب الفقهية وتقديمها للمكتبة الإسلامية بأسلوب أكادي مي حديث، ولم يقتصر دور المؤلف على نقل النص، بل قدم تحقيقاً دقيقاً شمل ضبط النسخ الخطية، وتخريج الأحاديث والآثار الواردة عن إمام أهل السنة والجماعة، مع شرح المفردات اللغوية والفقهية الغامضة، مستنداً إلى خلفيته الأكاديمية الراسخة في علوم اللغة والشريعة، ويستعرض الكتاب أحكام الأشربة وما يحل ويحرم منها، مع التركيز على قاعدة «سد الذرائع» وحماية العقل. وأبرز المحقق منهج الإمام أحمد في الورع والبعد عن المشبهات، رابطاً بين الأحكام الفقهية والقيم الأخلاقية التي تحفظ الفرد والمجتمع.
إستراتيجية المعرفة في كتاب: «مكانة العلم والعلماء»
كما صدر لمعالي الدكتور علي بن مرشد المرشد دراسة رصينة بعنوان: «مكانة العلم والعلماء في الإسلام»، تناول فيها الأبعاد العميقة التي أولاها الدين الإسلامي لطلبة العلم وحملته، معتبراً إياهم صمام الأمان والركيزة الأساسية لنهضة الأمم.
وانطلق د.المرشد في كتابه من التأصيل القرآني والنبوي، مؤكداً أن الإسلام رفع قدر العلم إلى مصاف العبادات العظمى. واستعرض معاليه كيف أن أول كلمة نزلت في الوحي (اقرأ) كانت إعلاناً لميلاد أمة تقود العالم بالبرهان والمنطق لا بالقوة المجردة.
وركز الكتاب على محورين أساسيين في شخصية العالم كما يراها الإسلام: القدوة والامتثال: أن العلم لا يُؤتي ثمارُه إلا إذا اقترن بالعمل والخلق الحسن، والنصح للأمة: دور العلماء في توجيه المجتمعات نحو الاعتدال ومحاربة الأفكار المتطرفة والدخيلة.
وتميز طرح الدكتور علي المرشد بعدة سمات جعلت الكتاب مرجعاً أكاديمياً وتربوياً:
اللغة العالية: توظيف مهارته اللغوية في صياغة عبارات بليغة تحبب القارئ في طلب العلم، والشمولية: الربط بين العلوم الشرعية والعلوم الطبيعية، معتبراً أن كل علم ينفع البشرية هو علم محمود في الإسلام، والتكريم المعنوي: إبراز النصوص التي تكفل للعالم هيبته وحقوقه الأدبية في المجتمع.
دراسة فقهية وتاريخية توثق «حمى النقيع» في عهد النبوة
وقد صدر للمؤلف كتاب بعنوان: «الحمى في الإسلام.. دراسة فقهية تاريخية عن حمى النقيع»، سلط فيه الضوء على نظام «الحمى» (المناطق المحمية) كأحد الأنظمة الإدارية والبيئية التي أقرها الإسلام، متخذاً من «حمى النقيع» نموذجاً تطبيقياً للدراسة.
ليستعرض د.المرشد في كتابه تنظيم الإسلام وحماية الأراضي العامة (المراعي) لصالح خيل الجهاد وإبل الصدقة، وكيف تطور هذا المفهوم ليصبح أداة لتحقيق المصلحة العامة ومنع الاحتكار الخاص للموارد الطبيعية، وقد ركز الكتاب بشكل تفصيلي على «نقيع الخضرمات» (قرب المدينة المنورة)، وهو الحمى الذي حماه الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم استمر في عهد الخلفاء الراشدين. وتناول البحث: الموقع الجغرافي: تحديد حدود الحمى ومساحته بناءً على المصادر التاريخية، والإدارة النبوية: كيف كان يُدار هذا الحمى وتُوزع فيه موارد الرعي بالعدل، والأبعاد التنموية: دور الحمى في دعم «الأمن العسكري والغذائي» للدولة الإسلامية الناشئة.
وتكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يقدم رؤية إسلامية مبكرة لما يعرف اليوم بـ «المحميات الطبيعية» و»حماية البيئة»، مما يثبت سبق الإسلام في وضع الأنظمة التي توازن بين استغلال الأرض والحفاظ على ديمومة مواردها.
توثيق ذاكرة «طيبة» من خلال تحولات مجتمع المدينة المنورة بين قرنين
كما قدّم الدكتور علي المرشد للمكتبة التاريخية السعودية مرجعاً جيولوجياً واجتماعياً فريداً بعنوان: «مجتمع المدينة النبوية في أواخر القرن الرابع عشر وأول القرن الخامس عشر الهجري»، حيث رصد فيه ملامح الحياة اليومية والتحولات الكبرى التي شهدتها مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم خلال حقبة زمنية انتقالية، حيث يغوص الدكتور المرشد في تفاصيل «المجتمع المدني» بأسلوب يجمع بين عاطفة المحب ودقة الباحث، متناولاً المحاور التالية: النسيج الاجتماعي: العادات والتقاليد الأصيلة التي كانت تحكم العلاقات بين أهالي المدينة، وقيم الجوار والتكافل التي ميزت «المجتمع الجواري» المحيط بالمسجد النبوي، والحياة الاقتصادية: وصف الأسواق القديمة، والحرف اليدوية، والأنشطة التجارية التي كانت تشكل عصب الحياة قبل الطفرة العمرانية الكبرى، والتعليم والثقافة: رصد الكتاتيب والمدارس وحلقات العلم في المسجد النبوي، وكيف بدأ التعليم النظامي يشق طريقه ويغير ملامح الوعي المجتمعي.
وقد وثق معاليه في كتابه التغيرات التي طرأت على جغرافية المدينة المنورة مع بدايات مشاريع التوسعة السعودية الكبرى، وكيف انتقل المجتمع من السكن داخل «السور» إلى الأحياء المستحدثة، مع الحفاظ على الهوية الروحية للمكان، وما يميز هذا الكتاب هو اعتماد الدكتور المرشد على المشاهدة والمشاركة الفاعلة، فهو ابن تلك البيئة وشاهد على مخاضاتها التحولية.
ويعد هذا الكتاب كنزاً للباحثين في علم الاجتماع الحضري والتاريخ المحلي، حيث يوفر مادة خام لدارسي التطور الديموغرافي للمدن المقدسة، ويُعد من الوفاء لمدينةٍ مثلت عبر العصور مركز الإشعاع الروحي للعالم الإسلامي.
خارطة طريق لشباب الوطن في كتاب: «المسار الصحيح»
في وقت تتسارع فيه المتغيِّرات الثقافية والتقنية، يبرز كتاب: «الشباب والمسار الصحيح» لمعالي الدكتور علي بن مرشد المرشد كمرجع فكري وتربوي رصين، يهدف إلى تحصين الجيل القادم وتوجيه طاقاته نحو البناء المثمر. الكتاب ليس مجرد إصدار عابر، بل هو «وثيقة توجيهية» تخاطب العقل والوجدان في آن واحد، حيث يؤكد الدكتور المرشد في ثنايا كتابه أن الشباب هم الثروة الحقيقية للأمم، لكن هذه الثروة تحتاج إلى «بوصلة» ترشدها في ظل الأمواج المتلاطمة من الأفكار الدخيلة، حيث يرى المؤلف أن المسار الصحيح يبدأ من نقطة التوازن بين الأصالة والمعاصرة؛ حيث التمسك بالقيم الإسلامية والثوابت الوطنية، مع الانفتاح الواعي على علوم العصر، وتناول المؤلف عدة ركائز إستراتيجية لبناء شخصية الشاب، أهمها:
منهج الوسطية: التحذير من الانجراف نحو الغلو أو التفريط، واعتبار الاعتدال هو الصمام القائم لحماية المجتمع، والمسؤولية الوطنية: غرس روح المواطنة الفاعلة، والتركيز على أن دور الشاب لا يقتصر على الطموح الشخصي بل يمتد لنهضة وطنه، وسلاح العلم والوقت: التشديد على أن الفراغ هو العدو الأول للشباب، وأن استثماره في البحث والابتكار هو السبيل الوحيد للحاق بركب الحضارة.
ولم يغفل الكتاب الجانب الوقائي، حيث خصص مساحة واسعة للحديث عن «التحصين الفكري» في مواجهة ما يُبث عبر الفضاء الرقمي. ويدعو د. المرشد الشباب إلى ممارسة «النقد الذاتي» وعدم الانسياق خلف الشعارات البراقة التي قد تستهدف زعزعة استقرارهم النفسي أو الفكري.
بين «عطاء الثواب» و«حكمة العقاب».. د.المرشد يُرشد المجتمع تربويًا لبناء جيل سويّ
في إصدار يجمع بين أصالة المنهج الإسلامي وأحدث نظريات علم النفس التربوي، قدم معالي الدكتور علي بن مرشد المرشد كتابه النوعي «الثواب والعقاب في مرحلة الطفولة»، ليكون بمثابة بوصلة للمربين في التعامل مع أعقد ملفات التنشئة: كيف نوازن بين التحفيز والتقويم؟
ليطرح المؤلف في كتابه رؤية نقدية لأساليب التربية التقليدية القائمة على الترهيب، مؤكداً أن «بناء الضمير» هو الغاية الأسمى. ويرى المؤلف أن الثواب والعقاب ليسا أدوات للسيطرة، بل هما «رسائل تواصل» تهدف إلى تعديل السلوك وحماية فطرة الطفل.
كما استعرض الإصدار جملة من القواعد الذهبية التي تشكل خارطة طريق لكل أب وأم ومعلم، ومن أبرزها: أولوية «الثواب المعنوي»: يؤكد د. المرشد أن الابتسامة والكلمة المحفزة والثناء أمام الآخرين تفوق في تأثيرها الجوائز المادية، كونها تبني ثقة الطفل بذاته وتشعره بالقبول غير المشروط، وهندسة العقاب: يضع الكتاب «بروتوكولاً» صارماً للعقاب؛ يبدأ بالتلميح ثم العتاب ثم الحرمان من الامتيازات، محذراً بشدة من العقاب الذي يمس كرامة الطفل أو يؤدي إلى كسر شخصيته، وقاعدة «فصل الفعل عن الفاعل»: وهي من أذكى اللفتات في الكتاب، حيث يدعو المربي لمعاقبة «السلوك الخاطئ» مع الحفاظ على محبته لـ «الطفل ذاته»، لكي لا يشعر الصغير بالنبذ الاجتماعي.
وشدد الدكتور المرشد في فصول كتابه على أن «الازدواجية في المعايير» هي أكبر هادم للتربية؛ فمعاقبة الطفل على فعل اليوم والضحك عليه غداً يخلق طفلاً مشتتاً. كما اعتبر أن العدل في المكافأة والمحاسبة بين الأبناء هو الصمام الذي يمنع بذور الغيرة والعدوانية داخل الأسرة.
وتتسم مؤلفات د.علي المرشد بعدد من السمات العامة من أبرزها: الجزالة اللغوية، حيث يتسم أسلوبه بالرصانة والفصاحة، وهو انعكاس لتخصصه الأكاديمي، إلى جانب النزعة التقويمية، حيث تهدف معظم كتبه إلى تقديم حلول تربوية وعملية للمشكلات التي تواجه المجتمع، إلى جانب التوثيق التاريخي، حيث تُعد كتبه التي تناولت التعليم مصدراً تاريخياً هاماً للباحثين في تاريخ الإدارة التعليمية في المملكة.