دوما ننتظر جديد اليوسف، وهذه المرة هلَّ رمضان لتقع بين أيدينا أحدث إصداراته «قبل أن تعزف موسيقاها بقليل»..
رواية صادرة عن دار الانتشار العربي، بيروت، الشارقة 2026م، التي جاءت في 130 صفحة، موزعة على 16رواية قبل أن تعزف.. تقدم فترة من تاريخ المملكة فنياً، من خلال شخصية مبارك بن هدب، الشغوف بفن الغناء السامري منذ نعومة فتوته، الذي اعتاد حضور جلسات بيت «أم خلوي» في منفوحة بالرياض، حيث كان يتداعى إليه عشاق السمر، إلا أن والده كان يمانع ويحثه على مواصلة دراسته، في الوقت الذي ظلت تلك الجلسات تدعوه ليذهب خلسة، رغم رفض والده «خائفًا أن ينفرط من بين يديه، أن يسقط في هاوية فرق السامري التي تجوب الأرض النجدية من مكان إلى آخر.
اليوسف يسرد الأحداث راصدًا لشخصية مبارك الذي ظل متأرجحًا بين طاعة والده وحبه لجلسات السمر والغناء، إلى أن قرر والده إلحاقه بالعسكرية، إيمانًا منه بأنها مصنع الرجال «إن شاء الله تصبح ضابطا والجميع يحذر منك ويخافك، تحمَّل يا ولدي الصبر من شيمة الرجال» وهنا كانت بدايته الحقيقية، إذ لم تمض على التحاقه فترة حتى تم اختياره وأربعة آخرين للدراسة في معهد الموسيقى وهم: مسفر أبو شعرة، وأحمد بن هادي، وشعف السيناوي، ونبيل أبو طيبة. «والله أني طوال الوقت أفكر بابوي الي يبيني أصير ضابطا، ما يدري أني ضابط إيقاع وموسيقي، لكن أهم شيء أني لابس البدلة العسكرية»
خمسة من مختلف مناطق المملكة، من: الساحل الشمالي ومن جيزان،وعسير والحجاز، مكونين فريقا متجانسا على قاعدة حبهم لفن السامري الذي يجمع مناطق مختلفة.
ومن خلالهم قدم اليوسف فريقا يمثل المملكة، وتحولها من زمن سيطرة رجال الحسبة.. إلى زمن الانفتاح، أو ثورة الحياة التي غيرت مسار مجتمع المملكة في شتى نواحي الحياة، ومنها الموسيقى والغناء، وجعلت المرأة شريكة الرجل يتنافسان في الحياة كل حسب قدراته وكفاءته، بعد أن ظل وضع الجمود والانغلاق مسيطراً لعقود.
اليوسف استطاع تقديم مجتمع المملكة من خلال ذلك الصراع بين الشاب مبارك المتطلع لحياة مختلفة عما ينتهجه والده، وكأنه يختار رموزاً تمثل المملكة، فالأب يمثل الماضي والابن يمثل الحاضر، ساعد مبارك أن وقع على أقران يشاركونه نفس الميول والتطلعات، ليستمر في تحقيق ذاته بعيدا عن معرفة والده، ومن خلال نشاطه الفني المتنامي أستطاع أيضا مد يد العون لأسرته، بتغيير من مستوى وضعهم المعيشي، بالعمل بعد تخرجه وزملائه من معهد الموسيقى العسكري تكوين فرقة لإحياء حفلات الأعراس والمناسبات الاجتماعية، بل وتأسيس مركز فني على نطاق غير معلن، كون الأوضاع آنذاك تمنع مثل تلك الأنشطة، وما كان أشد وطأة على مبارك أن أخبار حفلاته وصلت والده «تدري ياولدي كم لك متخرج من العسكرية؟ هلحين أكملت الخمس أسنين.. والنجمة ما شفناها! لا وحتى بدلتك ماعاد شفناك لابسها! ويش الي صاير ياولدي؟ عسى ماهب فاصلينك، وكلام واصلني من بعض الرجال اللي أثق بهم يقولون ترى ولدك صاير فنان وله أشرطة بين الناس وسامعينه يغني...» بعدها بدأ يخطط مبارك بنقل سكن أسرته بعيدًا عن منفوحة وسكانها الذين يتابعون أخباره.
تطور وضع مبارك وفرقة الخمسة بعد أن أخذوا إجازة دون مرتب من عملهم، وأصبحوا أكثر انطلاقاً.
اليوسف يوظف في روايته شخصية موسيقية شهيرة «يانيكريسماليس» اليوناني العالمي، الذي كان في واقع الأمر وبعيدا عن أحداث الرواية قد زار المملكة وأحيا في جدة حفلة عام 2017. ثم أعقبها بزيارات أخرى (2019، 2020) أحيا عدة حفلات تاريخية في السعودية، أبرزها في مهرجان «شتاء طنطورة» بالعلا ومسرح مرايا وأشاد بسحر العلا وتاريخها.
ليجعل من بطل روايته مبارك معجباً بفن «ياني» حد الوله، بل ودفعه شغفه للسفر إلى القاهرة بعد أن علم بأن فنانه المفضل سيزورها، قبل زياراته للسعودية وانفتاحها للعالم أجمع، وهناك ساعده بعض أصدقائه ليلتقي به لدقائق، عرف بنفسه إليه وزوده خلالها بفلاش يحوي أنواعا من أغاني وموسيقى السامري وغيرها من فنون المملكة الشعبية، بل ودعاه لزيارة المملكة، وبالفعل لم تمر فترة حتى كان «ياني» قد راسله، ووصل بعدها ليظل في ضيافة الخمسة الأصدقاء لأيام أستمع للكثير من موسيقاهم واستمعوا إليه يغني ويعزف.
ثم تطعيم الرواية بمفردات عامية، خاصة في تلك الحوارات المتتابعة، قرب القارئ من أوساط شخصيات الرواية اجتماعياً.
أحداث الرواية نسجها اليوسف في خط تصاعدي مشوق، دون استخدام تقنية العودة للماضي، معتبرا الوضع القائم والمتمثل في والد مبارك ومن نظرة المجتمع للفن، وتوجه السلطات آنداك بالمحافظ على ماض، ثم ما حدث من قرارات إطلاق الحريات شيء من الحاضر والمستقبل يمثل الحاضر. إذ ركز اليوسف في روايته على فن أصيل وأيقونة تمثلت بفن السامري، ذلك الفن الأصيل في شبه جزيرة العرب، وانتصر اليوسف بتلك الرمزية لروح الإنسان المتمثل بمبارك من خلال الانتصار للعمل الجماعي ومسيرة الخماسي كقيمة سامية تنتصر لقيم الخلق والجمال. مقدما مبارك كشخصية قيادية حالمة، الذي حقق بمثابرته حلمه وحلم جيله منتصرا للجمال وقيمة الإصرار حين استضاف الموسيقار العالمي، ثم إشراك المرأة ضمن أنشطتهم الفنية، تلك التيمة منحت مسار الرواية دلالات ذات أبعاد اجتماعية عميقة، بداية بتدريب ومشاركتها في حفلات إشهارها بعد أن أضحى مركزه ورفاقه مركزا معترفا به يشارك في أكثر الحفلات شهرة.
مبارك الذي لا يجد القارئ إلا التعاطف معه منذ بداية ميوله الفنية، وما كان يحلم به متابعا مراحل تطوره حتى بروزه ورفاقه كنجوم مجتمع يقتدى بهم. «وبدأت تنتشر الإعلانات في الصحف والقنوات الفضائية ومن مواقع كثيرة عن إقامة الحفلات الموسيقية والغنائية، وكان الخمسة قد تقدموا للجهات الرسمية لإقامة حفل فني خاص بهم، بعد أن أشهروا اسم مؤسستهم التي حملت «مجمع هدب الفني» وهو الاسم الرسمي لهم ولدارهم التي علقوا على جدارها لأول مرة هذا الاسم بلوحة كبيرة». وكانت الانطلاقة التي ترمز إلا انطلاقة المملكة في جميع مناحي الحياة، وأولها إطلاق الحريات، ودعم ذوي المواهب في شتى مجالات الحياة. ما جعل مجتمع المملكة في مصاف المجتمعات المتحضرة.
وما أضاف للروية بعدًا وطنيًا منذ بداياتها الأولى ثراء التنوع المتمثل في فريق مبارك الخماسي، الذي أعطى وهج الوطنية الحقة وما تلاه من انضمام للعنصر النسائي. ليقدم مجتمع المملكة كمجتمع واع ومتطور، مجتمع تجاوز عقبات التخلف محافظًا على شخصيته وتراثه الفني من موسيقا وغناء وملابس وأطعمه..
اختيار الأسماء كان اختيارا ذكيا، حيث إن لكل اسم دلالته الأصيلة وعمقه الاجتماعي.
فاليوسف عوضا إلى أنه روائي وقاص، فهو في الوقت نفسه يحمل همًا وطنيًا يتمثل في نشاطه المتواصل لتوثيق الإنتاج الأدبي السردي، وهو بذلك يعد مدرسة في هذا الجانب، متحملًا جهدًا كبيرًا لا تقوم به إلا مؤسسات لها كادرها المتخصص، وإمكانياتها الكبيرة، فلم يكتفي برصد إصدارات الرواية والقصة في المملكة رصدًا لا يتجاوز المعلومات الخاصة بكل إصدار، كما جرت العادة، بل تجاوز ليقدم سيرة كل أديب وإرفاقها ضمن سلسلة الببليوجرافيا والمعاجم المتجددة والمتوالية التي يعمل عليها وبصورة مستمرة، فاليوسف علامة مميزة في مشهدنا الأدبي العربي، وقدوة يقتدى بنشاطه وإبداعه المتنوع والمستمر.
** **
الغربي عمران - اليمن